محمد محمد أبو ليلة
118
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
اليهود لدينه ، وقع هذا في وقت قريب من غزوة بدر « 1 » ؛ ونلاحظ أن كلام المستشرقين يخرج كثيرا على عرف البحث العلمي ومنهجه . إنهم يبنون أحيانا نتائج كثيرة غائمة على ظنيات وتخمينات واهمة وواهية ؛ وليس هكذا تورد الإبل عند الكلام عن كتاب المسلمين الذي يحوطهم ويحوطونه ويحفظهم ويحفظونه . إن القرآن - منذ البداية - يعى ذاته ويدرك أبعاد نفسه ، والنبي محمد صلى اللّه عليه وسلم يعرف منذ بدء الوحي أن ما جاءه به جبريل عليه السلام كان وحيا من عند اللّه ؛ وقد تكلمت آيات مكية كثيرة ومتقدمة في النزول عن القرآن ك " كتاب " و " وحي " و " تنزيل " ، وأن المقاطعة أو النزاع الذي حدث بين النبي واليهود أو غيرهم ، لم يؤثر البتّة في بناء النص القرآني لا في الشكل ولا في المحتوى . وكون القرآن قد اتخذ مواقف مع اليهود ، أو كشف نواياهم ومخططاتهم ، فإن هذا لا يعنى أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو الذي سجل ذلك في القرآن وصاغه على هذا النحو . إن في القرآن آيات مدنية تمجد التاريخ النبوي لليهود وآيات أخرى تذكر اليهود بعهودهم مع اللّه ، وبما جاءتهم به رسل اللّه ، وبالمعجزات التي جرت لهم على أيدي أنبيائهم ؛ فالقرآن كله ليس هجوما على اليهود ، ولا صدى لمصادمات وقعت بينهم وبين محمد صلى اللّه عليه وسلم كما يدعى هذا الكاتب وغيره من المستشرقين . يزعم ويلش وأشياعه من المستشرقين ، إضافة إلى ما سبق ، بأن مواقف الصراع بين محمد واليهود جعلته يغيّر موقفه من كتبهم ، إذ بعد أن وصفهم بأنهم " أهل كتاب " ، وبأنهم " أوتوا الكتاب " ، عاد فقال إنهم فقط " أوتوا نصيبا من الكتب " ، وليس الكتاب كله ، مشيرا في هذا الصدد إلى قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( آل عمران : 23 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( النساء : 44 ) ، أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ( النساء : 51 ) المراد " بالذين " في الآيات هم أحبار اليهود بخاصة ، وليس كل اليهود ؛ قال اللّه تعالى لعامة اليهود
--> ( 1 ) مقدمة بل ووات للقرآن ص 33 .