محمد محمد أبو ليلة
111
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
من كلام اللّه الذي تعلقوه ، مع شئ كثير « 1 » من كلامهم الذي زوروه ، زاعمين أن الكل هو كلامه عز وجل ، فكذّبهم اللّه . وربما كان هذا العمل في حد ذاته سببا من أسباب تحريف التوراة وتحريف كتب أنبياء اليهود أيضا ، والبعد بها عن النص المنزّل من عند اللّه تعالى . ولسنا نستبعد أن مثل هذه النصوص ، التي اختلط فيها كلام اللّه بغيره ، من كلام البشر ؛ قد بقيت كلها أو بعضها ، واستعملت فيما بعد ، في تجميع مادة كتب العهد القديم ، التي هي بأيدي اليهود اليوم . وهذه الأعمال الخفية ، لم تكن لتظهر بسهولة ، لولا نزول القرآن الذي كشف عنها . ومما ينبغي التنبيه به أن الدراسات النقدية الحديثة تؤيد صدق كلام اللّه تعالى ، بالنسبة لتحريف كتب اليهود والنصارى ؛ إذ أثبتت بالأدلة النصية ، والبراهين العقلية ، وبالقرائن التاريخية أن أياد كثيرة ، وليست يد واحدة ، قد عملت في كتب العهد القديم ؛ وأن هذه الكتب تحتوى على كتابات وإشارات إلى تواريخ متقدمة ومتباعدة جدا فيما بينها ، كلها تؤكد على أن أكثر من يد قد تناولتها وتعاونت على كتابتها ؛ وبالأدلة العلمية تأكّد أن هذه الكتب كانت قد وضعت في تواريخ مختلفة ، وفي أماكن متفرقة . يشير الكاتب بعد ذلك إلى الآيات ( البقرة : 77 « 2 » ، 140 « 3 » ، 174 « 4 » ) و ( آل عمران : 71 « 5 » ) ، و ( المائدة : 15 « 6 » ) ؛ ثم يزعم أنه بقراءة هذه الآيات ، يكون من السهل علينا أن نفهم أن محمدا قد تلقى قصصا ومعلومات أخرى من مصادر متعددة ، من بينها كتب اليهود والنصارى ؛ وأن محمدا قد أعاد تشكيل هذه المعلومات ، وصياغتها ، وأدمجها في القرآن أثناء عملية الإلهام ( القرآن عند الكاتب أصبح إلهاما وليس وحيا ! ) ؛ يقول إن هذه النظرة تعد اليوم عند المسلمين غير أصولية ، أو سلفية ، ولكنها ، على أي حال ، ليست
--> ( 1 ) انظر : " ابن حزم الأندلسي ونقده للتوراة وكتب اليهود الأخرى " ( رسالة دكتوراه بالإنجليزية للدكتورة نور شيف عبد الرحيم رفعت - إكستر - إنجلترا 1988 ) . ( 2 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) . ( 3 ) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) . ( 4 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) . ( 5 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 71 ) . ( 6 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 ) .