محمد محمد أبو ليلة
112
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
متعارضة مع بعض المسائل التي توجد في مجموعة الأحاديث ، والمصادر الإسلامية الأخرى . وهذه الأصول المشتركة بين القرآن ، وكتب اليهود والنصارى ، قد حتّمت طرح السؤال بين الباحثين عن طبيعة الصلة بين القرآن وهذه الكتب ؛ واضح أن الكاتب يسير في خط متعرج ، وكثير النتوء والمسارب . فزعمه بأن ما قيل حل أخذ محمد من كتب اليهود والنصارى يعد اليوم غير أصولي ، يوحى بأنه كان أصوليا ، وموضع تسليم من قبل ، وهذا محض افتراء ؛ فعقيدة المسلمين في القرآن هي هي ، بالأمس ، واليوم ، وإلى قيام الساعة ؛ ثم إن الأحاديث التي يحاول الكاتب أن ينتزع منها أدلة تؤكد ، من وجهة نظرة ، انتحال القرآن من كتب سابقة ؛ ليس فيها أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد أخذ أىّ شئ من القرآن من غير اللّه تعالى ، حتى ولا من عند نفسه ؛ فكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير كلام اللّه . ثم إن إشارة الكاتب إلى وجود موضوعات متشابهة بين القرآن وكتب اليهود والنصارى ، أمر لا ينكره المسلمون ، بل يعتقدونه ويعتمدونه ضمن الإطار العام لعقيدتهم في وحدة مصدر الأديان والرسالات الإلهية ، ولا يرون في ذلك غضاضة ، ولكنهم لا يرون في الوقت نفسه أن في تلك المشابهات العليلة أي دلالة على أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم انتحل أي شئ ، أو تأثر بأي شئ من خارج الوحي . والذي ينبغي معرفته كذلك ، أن هذه الأشياء المتشابهة بين كتب اللّه الثلاث لا تعدو أن تكون قصصا وحكاية لتاريخ الدعوة والأنبياء من لدن آدم حتى خاتم المرسلين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أنزلها اللّه في القرآن محضة صافية غير مشوبة بما علق بها في كتب اليهود من تحريف ومغالطات وطعن في شرف الأنبياء وعصمتهم . إن موضوع الصلة بين القرآن وكتب اليهود والنصارى قد درس وعولج كثيرا من قبل المستشرقين والمسلمين ؛ وأهم كتاب تعرّض لهذا الموضوع من قبل المستشرقين ، هو كتاب " إبراهام جيجر " اليهودي الألماني ، الذي اتسع خياله فصوّر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكأنه لم يكن له عمل البتة إلا النقل من كتب اليهود ، التوراة ، وكتب الأنبياء ، والتلمود ، والمشنا ، والجمارا ، كما أشرنا إليه من قبل . وقد بيّنا ، في دراسة لنا ، تهافت جيجر وسطحيته ، مع ترجمة لكتابه ( هل أخذ محمد من كتب اليهود ) إلى اللغة العربية ، والتي نرجو أن ننشرها قريبا بإذن اللّه تعالى . ومن الكتب التي أفاضت في موضوع الانتحال المزعوم هذا ، كتاب " ويلهلم رودلف " ، ( صلة القرآن باليهودية والنصرانية ) ، مترجم إلى العربية ؛ وكتاب " هنرى دىكاسترى " ( الإسلام سوانح وخواطر ) ، بترجمة فتحى زغلول باشا ؛ حيث نقل عن