محمد محمد أبو ليلة
110
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( آل عمران : 93 ) . أما عن قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( 91 ) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) ( الأنعام : 91 - 92 ) ، فمعنى الكلام في هذا الموضع من القرآن أنهم استنكروا أن اللّه أنزل وحيا ، والمستنكرون هم اليهود ؛ فأخبر اللّه تعالى أن هذا يتنافى مع صفته ، وعظمته ؛ وأخبرهم في صورة سؤال أن الذي أنزل على موسى الكتاب هو نفسه الذي أنزل على محمد القرآن ؛ وأنّكم إذا نفيتم نسبة القرآن إلى اللّه ، وجب ضرورة أن تنفوا نسبة التوراة إليه تعالى ؛ وهذا إلزام قرآني لهم . وأخبر القرآن كذلك أنهم يقطّعون التوراة قراطيس ، أي أجزاء ، وسجلات ينسخونها من الكتاب الذي كان بأيديهم ، ويحرّفون المنقول ليوافق هواهم ، وأحيانا يبقون الكلام ، ويحرفون المعاني حسب ما يرون ، ثم يدّعون بعد ذلك أن هذا من عند اللّه « 1 » ؛ والكلام هنا عن فعل اليهود مع نبي اللّه موسى ، ومع التوراة التي جاء بها ، وليس مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا مع القرآن ؛ كما أنه لا يفهم من كلمة " تبدونها " ، التي تعلق بها الكاتب وضرب الهواء بجناحيه ، أنهم أبدوا التوراة لمحمد ينقل منها ما شاء ؛ بل إنهم كانوا يبدونها لأتباعهم هم أو للعامة منهم ونحو ذلك . استشهد الكاتب على المسألة نفسها أيضا بقول اللّه تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 ) ( البقرة : 79 ) ، هذه الآية تصب الويل على أحبار اليهود ، لتلاعبهم بكلام اللّه تعالى ، واتجارهم بالدين ، فقد كان منهم فريق يتكسب بالوحي ، يكتب كتبا بيده ، ثم يبيعها لبعض العرب أو غيرهم ، على أنها كلام اللّه ؛ وهي في الحقيقة كلامه هو ، وذلك لأن التوراة كانت نسخة واحدة موضوعة تحت يد الكاهن الأكبر ، لا تخرج للعامة أبدا ؛ ولا يمكّن أحد سواه من قراءتها ؛ فكان الأحبار يكتبون قليلا
--> ( 1 ) انظر : ابن كثير . مختصر تفسير . ج 1 ص 300 ، 498 ، 898 .