غانم قدوري الحمد

58

الدراسات الصوتية عند علماء التجويد

الأصوات ، وسلامة النطق ، الأول : التلقي عن المعلم المتقن . والثاني : السلامة من عيوب الكلام مع صحة أعضاء النطق . ولم يكن المرادي أول من حدد هذا الإطار العام للدراسة الصوتية عند علماء التجويد ، ولا آخر من تحدث عنه ، ولكنه أول من حدده على هذا النحو من الوضوح ، فنجد الداني ( ت 444 ه ) يقول عن الأمرين الأولين : « اعلموا أن قطب التجويد وملاك التحقيق معرفة مخارج الحروف وصفاتها التي بها ينفصل بعضها من بعض ، وإن اشترك في المخرج » « 1 » . ويقول أبو العلاء المهذاني العطار ( ت 569 ه ) في كتابه ( التمهيد في التجويد ) : « الباب الثامن : في معرفة أسماء الحروف ومخارجها ومجاريها ومدارجها ومستحسن فروعها ومستقبحها . اعلم أن هذا الباب من أشرف أصول القراءة وأهم فصول التلاوة ، وذلك أن الحروف أصل الكلام كله وعليها مدار تأليفه ، ثم من يقرأ القرآن ويتعاطى هذا الشأن متى ما لم يتقن مخارج الحروف وأجناسها لم يقف على الخلل الواقع فيها ، ولم يهتد إلى تجويد القراءة وتهذيبها ، وكان كمن رام قطع تيه بلا دليل ، وإصعاد قنّة نيق بلا ما سبيل ، فإذا عرف الحروف وأتقنها ، ولاحظ أجناسها وأحكمها ، ثم انضاف إلى ذلك طبع يتقبل هذا الشأن ، ويمتزج به أشفى به ذلك على القراءة الصحيحة والألفاظ القويمة ، بعون اللّه ومنّه » « 2 » . ويقول أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي ( ت 454 ه ) عن الأمر الثالث : « ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف ما يحدث بعض الحروف في بعض من النقصان ، لاستطالة حرف على حرف في التجاور ، ويستشعر بعضها من بعض في تداخل المخارج . . . » « 3 » . ويقول ابن الجزري ( ت 833 ه ) عن ذلك كله : « أول ما يجب على مريد إتقان قراءة القرآن تصحيح إخراج كل حرف من مخرجه المختص به تصحيحا يمتاز به عن مقاربه ، وتوفية كل حرف صفته المعروفة به ، توفية تخرجه عن مجانسه . يعمل لسانه وفمه بالرياضة في ذلك إعمالا يصير ذلك له طبعا وسليقة ، فكل حرف شارك غيره في مخرج فإنه لا يمتاز عن مشاركه إلا بالصفات ، وكل حرف شارك غيره في صفاته فإنه لا يمتاز عنه إلا بالمخرج . . . فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفّ حقّه ، فليعمل نفسه بإحكامه حالة التركيب ، لأنه

--> ( 1 ) التحديد 16 و . ( 2 ) التمهيد 141 ظ . ( 3 ) نقلا عن : أحمد بن أبي عمر : الإيضاح 68 ظ ، وانظر 67 ظ .