غانم قدوري الحمد
59
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد ، وذلك ظاهر ، فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة ، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب ، وقويّ وضعيف ، ومفخم ومرقق ، فيجذب القوي الضعيف ، ويغلب المفخم المرقق ، فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقه إلا بالرياضة الشديدة حالة التركيب ، فمن أحكم صحة اللفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب » « 1 » . أما الأمر الرابع ، وهو ( رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار ) فكان علماء التجويد قد أولوه عناية كبيرة ، فكانوا يعتمدون على التلقي بالمشافهة ، ويحضون على رياضة اللسان ، أي تدريبه ، على نطق الحروف وتوفية حقوقها من المخارج والصفات حالة إفرادها ، وتوفيتها أحكامها الخاصة بها عند تركيبها . قال أحمد بن نصر الشذائي ، وهو من تلامذة ابن مجاهد : « كان ابن مجاهد ، رحمه اللّه ، لعلمه بتفاوت الناس في العلم بالقراءة ، وقصور أفهامهم ، يستثبت كثيرا ممن يقرأ عليه . . . » « 2 » . وقال الداني بعد تعريف التجويد : « وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبّره بفكّه » « 3 » . وقد أخذ ابن الجزري هذا المعنى وصاغه بقوله في المقدمة « 4 » :
--> ( 1 ) النشر 1 / 214 - 215 . ( 2 ) نقلا عن الداني : التحديد 22 ظ . ( 3 ) التحديد 2 و . ونقله عن الداني : عبد الوهاب القرطبي : الموضح 189 و . وابن الجزري : التمهيد ص 6 والنشر ( له ) 1 / 213 . وقد ذكر أحمد بن أبي عمر ( الإيضاح 66 ظ ) : « وقال الشيخ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي ، رحمه اللّه : التجويد أفضل من الجوهر ، وأعز عند العلماء من الكبريت الأحمر ، وهو حلية التلاوة وزينة القراءة ، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها . . . وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبره بقلبه » . وفي إسناد هذا النص إلى أبي الفضل الخزاعي ( ت 408 ه ) إشكال كبير ، لأنه يتطابق إلى حد كبير مع النص الوارد عند الداني ( ت 444 ه ) ونقلنا بعضه هنا . والمشهور عند علماء التجويد أنه للداني . ولا يمكن اعتمادا على تاريخ وفاة الخزاعي ، وهو مشرقي ، أن يكون نقل عن الداني ، وهو أندلسي ، وتبقى بعد ذلك أربعة احتمالات : 1 - أن يكون الداني نقل عن الخزاعي ، ولم يصرح ، وهو بعيد . 2 - أن يكون كلاهما نقل عن مصدر واحد أقدم . 3 - أن يكون مؤلف الإيضاح غلط في نسبة النص إلى الخزاعي . 4 - أن يكون ما نقله عن الخزاعي ينتهي عند قوله ( الكبريت الأحمر ) ونقل ما بعده عن الداني دون أن يصرح بذلك ، لا سيما أن مؤلف الإيضاح توفي بعد 500 ه . ( 4 ) ابن الجزري : متن الجزرية ص 17 .