غانم قدوري الحمد

478

الدراسات الصوتية عند علماء التجويد

وتكاد الأمثلة القليلة لتطبيق دراسة التنغيم في اللغة العربية تقصر في استخدام التنغيم للتفريق بين الجملة الخبرية والجملة الاستفهامية ، وكذلك الجملة التعجبية ، فالتنغيم عنصر أساسي في تمييز هذا النوع من الجمل ، على الرغم من وجود عناصر أخرى تركيبية تساعد في الوصول إلى ذلك التمييز « 1 » . إن من الأمور التي لم يعرفها دارسو الأصوات العربية من المحدثين أن علماء التجويد أدركوا ظاهرة التنغيم وعرفوا أمثلتها ، واستخدم بعضهم كلمة النغمة ، بينما اكتفى آخرون باستخدام عبارة ( رفع الصوت وخفضه ) وهو معنى التنغيم عند المحدثين . ومن أقدم النصوص المتعلقة بظاهرة التنغيم ، مما اطلعت عليه من مصادر علم التجويد ، ما قاله أبو العلاء الهمذاني العطار وهو يتحدث عن اللحن الخفي : « وأما اللحن الخفي فهو الذي لا يقف على حقيقته إلا نحارير القراء ومشاهير العلماء ، وهو على ضربين : أحدهما لا تعرف كيفيته ولا تدرك حقيقته إلا بالمشافهة وبالأخذ من أفواه أولي الضبط والدراية . وذلك نحو مقادير المدات ، وحدود الممالات والملطّفات والمشبعات والمختلسات ، والفرق بين النفي والإثبات ، والخبر والاستفهام ، والإظهار والإدغام ، والحذف والإتمام ، والروم والإشمام ، إلى ما سوى ذلك من الأسرار التي لا تتقيد بالخط ، واللطائف التي لا تؤخذ إلا من أهل الإتقان والضبط » « 2 » . فقول أبي العلاء : الفرق بين النفي والإثبات ، والخبر والاستفهام داخل في موضوع التنغيم ، وإن جاءت العبارة عامة موجزة . وكان محمد بن محمود بن محمد السمرقندي الأصل ، الهمذاني المولد ، البغدادي الدار ، المتوفى سنة 780 ه قد فصّل هذا الموضوع تفصيلا لم يسبق إليه ، فيما عرفت من كتب هذا العلم ، كما أن أحدا من الذين جاءوا بعده لم يبلغوا مبلغه ، ولا أبالغ إن قلت : إن كلام المحدثين في الموضوع لا يصل إليه من حيث القيمة العملية لا التفصيلات النظرية ، فيما نجده مكتوبا عن الموضوع بالعربية . قال السمرقندي في قصيدته ( العقد الفريد ) : إذا ( ما ) لنفي أو لجحد فصوتها ار * فعن وللاستفهام مكّنن وعدّلا وفي غير اخفض صوتها والذي بما * شبيه بمعناه فقسه لتفضلا

--> ( 1 ) انظر : كمال محمد بشر : الأصوات ص 245 - 246 ، وأحمد مختار عمر : دراسة الصوت اللغوي ص 315 . ( 2 ) التمهيد 119 ظ - 120 و .