غانم قدوري الحمد
394
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
ويتضح من العرض السابق أن أحكام الميم الساكنة إذا تجاوزنا بعض الروايات الضعيفة تنحصر في الإظهار ، فإدغام الميم لا يتأتى إلا في مثلها ، وهذا لا يستلزم إفراده بحكم مستقل ، وإخفاؤها عند الباء لا يظهر له وجه ، ويحمله كثير من العلماء على معنى الإظهار . ومن ثم قلت في أول دراسة هذا الموضوع أنه لولا بعض المناقشات ولولا بعض الروايات لما وجد الدارس مسوغا لإفراد أحكام الميم الساكنة ببحث مستقل . سادسا - حقيقة النطق بالحرف المشدد : الإدغام يعني النطق بصوتين متماثلين الأول منهما ساكن والثاني متحرك ، سواء حصلت تغييرات صوتية تؤدي إلى التقاء المثلين أم أن الصوتين متماثلان أصلا . قال ابن يعيش : « إذا أدغمت المثلين المتحركين عملت شيئين أسكنت الأول وأدغمته في الثاني ، مثل : جعل لك ، وجعل لهم . فإن كان الأول ساكنا قبل الإدغام عملت شيئا واحدا وهو الإدغام ، مثل : قل لهم ، واجعل له . وإذا أدغمت المتقاربين المتحركين عملت ثلاثة أشياء : أسكنت الأول منهما ، وقلبت الأول إلى لفظ الثاني ، وأدغمت ، نحو : بيّت طائفة . وإن كان أحد المتقاربين ساكنا في أصله مثل لام المعرفة فليس إلا عملان : قلب الأول ، وإدغامه ، مثل : الرّجل والذّاهب » « 1 » . ويراد بالتشديد الإدغام ، وبالحرف المشدد الحرف المدغم ، سواء أكان الإدغام ناتجا من التركيب مثل : جعل لك ، والرّجل ، أم كان من بنية الكلمة مثل : شدّ ومدّ وقدّم وقطّع . وقد قال الخليل إن « التشديد علامة الإدغام » « 2 » . ويسمّى التشديد أيضا التضعيف ، وذكر سيبويه أن علامة التضعيف الشين « 3 » . وكانت عناية علماء التجويد بظاهرة الإدغام وبالمشددات كبيرة ، وقد وقفنا من قبل على جوانب منها . ونريد أن نختم الحديث عن موضوع الإدغام بالنظر في بعض النقاط التي تتعلق
--> بالميم شيئا قليلا ، ثم تطبقهما عند نطق الباء بعدها . وكان الشيخ عامر السيد عثمان ، وهو أحد علماء القراءة في الأزهر ، ومحقق الجزء الأول من كتاب ( لطائف الإشارات لفنون القراءات ) للقسطلاني بالاشتراك مع الدكتور عبد الصبور شاهين - لا يقبل ممن يقرأ عنده إطباق الشفتين عند نطق الميم قبل الباء ويأبى إلا انفراجهما ، وذلك عند ترددي عليه للقراءة سنة 1975 م ، وقت إقامتي في القاهرة لدراسة الماجستير . ولكني لم أجد في كتب علم التجويد ما يؤكد هذا الاتجاه في فهم إخفاء الميم . ( 1 ) شرح المفصل 10 / 131 . ( 2 ) العين 1 / 49 . ( 3 ) الكتاب 4 / 169 .