غانم قدوري الحمد

393

الدراسات الصوتية عند علماء التجويد

فالاختلاف على الأرجح لفظي فالأولى إغفاله وإجراء حكم الميم الغالب عليها وهو الإظهار . وكان المرعشي قد عالج هذا الموضوع ودقق في خفاياه وفرّق بين حالة الإخفاء وحالة الإظهار من الناحية الصوتية ، وذلك حيث قال : « إن معنى إخفاء الميم ليس إعدام ذاتها بالكلية بل إضعافها وستر ذاتها في الجملة بتقليل الاعتماد على مخرجها وهو الشفتان ، لأن قوة الحرف وظهور ذاته إنما هو بقوة الاعتماد على مخرجها . . . وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين ، والباء أدخل وأقوى انطباقا كما سبق في بيان المخارج ، فتلفظ بالميم في ( أن بورك ) بغنة ظاهرة وبتقليل انطباق الشفتين جدا ، ثم تلفظ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما وتجعل المنطبق من الشفتين في الباء أدخل من المنطبق في الميم . فزمان انطباقهما في ( أنبورك ) أطول من زمان انطباقهما في ( أبّورك ) ، وزمان انطباقهما في الميم أطول من زمان انطباقهما في الباء لأجل الغنة الظاهرة حينئذ في الميم ، إذ الغنة الظاهرة يتوقف تلفظها على امتداد . ولو تلفظت بإظهار الميم هنا لكان زمان انطباقهما فيه كزمان انطباقهما في الباء لإخفاء الغنة حينئذ ، ويقوى انطباقهما في إظهار الميم فوق انطباقهما في إخفائه ، لكن دون قوة انطباقهما في الباء ، إذ لا غنة في الباء أصلا ، بخلاف الميم الظاهرة فإنها لا تخلو عن أصل الغنة وإن كانت خفية . والغنة تورث للاعتماد ضعفا » « 1 » . ولا يبدو الفرق جليا بين إخفاء الميم وإظهارها في كلام المرعشي السابق ، مع تقديرنا لدقة تحليله ، ولا نكاد نجد تفسيرا لقوله في أول كلامه : إن إخفاء الميم هو إضعافها بتقليل الاعتماد على مخرجها ، فالناطق لا يحتاج إلى تكلف هذا النوع من الإخفاء حين ينطق الميم ساكنة قبل الباء ، ويكفيه أن يضم شفتيه ويجري النفس من الخيشوم حتى تستوفي الميم حظها من الغنة ، ثم يضغط الهواء عند الشفتين قبل أن ينفرجا حتى ينال الباء حظه من الشدة ، فانطباق الشفتين للحرفين انطباق واحد وهو شيء تقتضيه طبيعة الصوتين ، وهما في أثناء ذلك يحتفظ كل صوت منهما بخواصه النطقية « 2 » .

--> ( 1 ) جهد المقل 30 ظ - 31 و . ( 2 ) يفسر بعض المجودين المعاصرين إخفاء الميم عند الباء على نحو لا يتضح له أصل في كلام علماء التجويد الذين اطلعت على كتبهم . وهو أنهم يرون أن الإخفاء هو أن تجافي بين شفتيك حين تنطق