غانم قدوري الحمد
332
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
وكان بعض علماء العربية قد أشاروا إلى ذلك في أثناء حديثهم عن ظاهرة الإدغام خاصة ، التي هي أكثر الظواهر الصوتية التركيبية دورانا في كلام العرب . فقال سيبويه ، وهو يتحدث عن قلب الواو ياء في مثل الميزان والميعاد : « فكان العمل من وجه واحد أخف عليهم ، كما أن رفع اللسان من موضع واحد أخف عليهم في الإدغام ، وكما أنهم إذا أدنوا الحرف من الحرف كان أخف عليهم ، نحو قولهم : ازدان ، واصطبر » « 1 » . وقال الفراء ، وهو يتحدث عن إدغام لام هل وبل : « وكذلك فافعل بجميع الإدغام ، فما ثقل على اللسان إظهاره فأدغم ، وما سهل لك فيه الإظهار فأظهر ولا تدغم » « 2 » . وكان حديث علماء التجويد عن ذلك أكثر تفصيلا ووضوحا ، فقال مكي ( ت 437 ه ) : « والقوي من الحروف إذا تقدمه الضعيف مجاورا له جذبه إلى نفسه ، إذا كان من مخرجه ، ليعمل اللسان عملا واحدا في القوة من جهة واحدة » « 3 » . وقال : واعلم أن أصل الإدغام إنما هو في الحرفين المثلين . وعلة ذلك إرادة التخفيف ، لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى إلى المخرج بعينه ، ليلفظ بحرف آخر مثله صعب ذلك ، وشبهه النحويون بمشي المقيد ، لأنه يرفع رجلا ثم يعيدها إلى موضعها أو قريب منه . وشبّهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين ، وذلك ثقيل على السامع » « 4 » . وقال مكي أيضا بعد أن ذكر مذهب ورش في تفخيم اللام : « فيعمل اللسان في التفخيم عملا واحدا . وهذا هو معظم مذاهب العرب في مثل هذا يقرّبون الحرف من الحرف ، ليعمل اللسان عملا واحدا . ويقرّبون الحركة من الحركة ليعمل اللسان عملا واحدا ، وعلى هذا أتت الإمالات في عللها ، وعلى هذا أبدلوا من السين صادا إذا أتى بعدها طاء أو قاف أو غين أو خاء ، ليعمل اللسان في الإطباق عملا واحدا ، فذلك أخف عليهم من أن يتسفل اللسان بالحرف ، ثم يتصعد إلى ما بعده » « 5 » . وقال الداني : « اعلم أرشدك اللّه أن الإدغام تخفيف وتقريب . . . وإنما أدغمت العرب والقراء طلبا للتخفيف وكراهة للاستثقال بأن يزيلوا ألسنتهم عن موضع ثم يعيدوها إليه ، إذ في
--> ( 1 ) الكتاب 4 / 335 وانظر أيضا 4 / 365 . وانظر : ابن الحاجب : الإيضاح في شرح المفصل 2 / 476 . ( 2 ) معاني القرآن 2 / 354 . ( 3 ) الرعاية ص 180 وانظر أيضا ص 150 و 163 و 190 و 193 . ( 4 ) الكشف 1 / 134 . ( 5 ) الكشف 1 / 219 .