عدنان زرزور

4

الحاكم الجشمي ومنهجه في تفسير القرآن

في هذه الرسالة - أجمع صورة وأدقها وأكثرها أمانة كذلك . . للطريقة التي تناول بها المعتزلة وأهل الرأي القرآن الكريم بالتفسير والشرح ، كما يدلنا على مدى اعتماد المعتزلة على نصوص القرآن في آرائهم ومذاهبهم . . . وعلى تفريقهم بين ما يدخله التأويل من الآيات ، وما لا يدخله التأويل . . وعلى نظرتهم الدقيقة إلى المعارف ما يعرف منها من جهة الشرع ، وما يعلم منها من جهة العقل ، وما يصح أن يعلم منها من كل واحد من الطريقين . ويدلنا هذا الكتاب أيضا على ذلك التفاعل الحي بين التابعين ورجال السلف من جهة ، وبين شيوخ المعتزلة الأوائل من جهة أخرى . . وعلى مدى الالتقاء بين أولئك وهؤلاء . ويؤكد لنا الفكرة التي ألمحنا إليها في مقدمة هذا البحث ، وهي أن الخلاف بين المتكلمين ورجال الفرق إنما نشأ في الأصل هينا يدعو إليه الخلاف في الفهم وقواعد النظر ، ولكن عمق فيما بعد على أيدي الأشياع المتأخرين بفعل التعصب والمغالاة . . بل بفعل التخلف والانحطاط الذي كان يقعد بهؤلاء عن فهم ما قدمه الأوائل في بعض الأحيان . . أو الذي كان يدع صدورهم تضيق بالخلاف الذي اتسعت له صدور الأوائل وعقولهم . وكأن هذا التفسير يشير إلى أن مشكلات الإنسان الأساسية - وهي في جوهرها واحدة على مدى العصور : ما وراء الطبيعة ، الحرية الإنسانية ، القضاء والقدر . . . الخ ، وإن اختلفت عناوينها وأساليب طرحها على الأزمان - إنما يطرحها الإنسان ويجيب عنها ، أو يحاول الإجابة عنها ، في أوقات رقيه وتقدمه ، لا في أوقات تخلفه وانحطاطه وتدهوره المادي والمعنوي ، التي يكون فيها مشغولا بالسعي على نفسه يدفع عنها غائلة الجوع والخوف .