محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

61

التيسير في قواعد علم التفسير

وأما النسخ في الاصطلاح : فهو دفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر . واعلم أن الحجج الشرعية لا يقع التعارض بينها حقيقة لأن ذلك من أمارات الجهل والعجز ، فإن من أثبت حكما بدليل عارضه دليل آخر يوجب خلافه كان ذلك لعجزه عن إقامة دليل سالم عن المعارضة ، والعجز عن ذلك بناء على الجهل بالطريق المستقيم السالم عن المعارضة ، والحكيم العليم الذي لا يعزب عن علمه شئ ، تعالى عن أن يوصف بالجهل ، فإذا لا يقع التعارض والتناقض بينهما إلا بالنسبة إلينا لجهلنا بالتاريخ . ثم إذا وقع التعارض بين الآيتين بالنسبة إلينا فلا يخلو من أن يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ ، أو لا يمكن الجمع ، فالأول - وهو التعارض الذي يمكن فيه الجمع بينهما بوجه من الوجوه غير وجه النسخ - مخلصه عنه ثلاثة أوجه : الأول : من جهة الدليل ؛ بأن لا يعتدلا في القوة فاندفع توهم التعارض بين المتشابه وبين المحكم لعدم استوائهما في القوة . الثاني : من قبل الحكم ؛ بأن لا يجتمع حكماهما في محل واحد فاندفع توهم التعارض بين الآية التي في سورة البقرة وبين الآية التي في سورة المائدة ، فإن الغموس فيها مؤاخذة بمقتضى آية سورة البقرة ، وليست فيها مؤاخذة بموجب آية سورة المائدة ؛ وذلك أن بين قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 1 » في سورة البقرة ، وبين قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ « 2 » في سورة المائدة تعارضا بحسب الظاهر ؛ فإن الآية الأولى تقتضى

--> ( 1 ) الآية : 225 . ( 2 ) الآية : 89 .