محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى
62
التيسير في قواعد علم التفسير
المؤاخذة في الغموس لأنها من كسب القلب ، والمؤاخذة ثابتة في كسب القلب ، وأن الآية الثانية تقتضى عدم المؤاخذة فيها لأن يمين الغموس يمين غير منعقدة عند أبي حنيفة وأصحابه لأنها لم تصادق محل عقد اليمين ، وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق ، لكن هذا التعارض يندفع باعتبار الحكم ؛ فإن المؤاخذة المثبتة في البقرة مطلقة فتصرف إلى الآخرة لأنها دار المؤاخذة والجزاء على الإطلاق ، وأما دار الدنيا فدار الابتلاء إذ قد يؤاخذ المطيع فيها تمحيصا لذنوبه كما يؤاخذ العاصي فيها عقوبة له ، وينعم فيها على العاصي استدراجا له كما ينعم فيها على الطائع إحسانا وتفضّلا عليه . وأما المؤاخذة المنفية في المائدة فمؤاخذة الكفارة في الدنيا ؛ بدليل قوله تعالى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ « 1 » ، فكأنه قيل : الغموس ليست فيها مؤاخذة في الدنيا وفيها مؤاخذة في الآخرة ، فلا تعارض فيه كما لا تعارض في قولك : زيد يصلى في المسجد ولا يصلى في غير المسجد . لكن يلزم مما ذكر أن يكون الغموس لغوا وغير لغو ، فإن توجيه الكلام في آية سورة المائدة يقتضى كون الغموس لغوا ، كما أن توجيه الكلام في آية سورة البقرة يوجب كونها غير لغو ، وأجيب بأن اللغو يقال على معنيين : أحدهما : ضد العقد ، يشهد له قوله تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ « 2 » فيكون اللغو بهذا المعنى يتناول السهو والغموس . ثانيهما : السهو : وهو أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال ، والواقع خلافه ، يشهد له قوله تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ
--> ( 1 ) الآية : 89 . ( 2 ) سورة المائدة : 89 .