محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

24

التيسير في قواعد علم التفسير

والتحقيق : أن بين القوم مسألتين متنازع فيهما ، يترتب على كل واحدة منهما رأى محمود ورأى مذموم ، إحداهما : مسألة إصابة المجتهد ؛ فلما قال بعض المعتزلة : إن كل مجتهد مصيب ، قالوا : إن الرأي بالعرض على الأصول رأى حق في الواقع ؛ فيكون التفسير به - عندهم - شهادة على اللّه بكونه حقا وصوابا عنده ، وهذا رأى مذموم ؛ لكونه رجما بالغيب . ولما قال غيرهم : إن المجتهد يخطئ ويصيب ، قالوا : إن الرأي بالعرض على الأصول تفسير بغالب الرأي مع احتمال الخطأ على ما جاء القول فيه من بعض الصحابة رضى اللّه عنهم : إن كان خطأ فمنّى ، وإن كان صوابا فمن اللّه تعالى ، فلا يكون عندهم شهادة على اللّه تعالى بكونه حقا عنده ، وهذا رأى محمود ، وقد جاءت به الآثار وعملت به الأمة في قياس الفروع . والسلف لم يقولوا إن التفسير بالرأي شهادة على حقيقة المراد عند اللّه تعالى فلم يكن هذا النوع من التفسير مرادا بالحديث . الثانية منهما : مسألة حكم العقل ، فمن يجعل الرأي عيارا لما جاء به القرآن فيفسر القرآن على موافقة رأيه تقريرا لرأيه ويترك المفهوم المتعارف من اللفظ ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن ، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة التي هي نتيجة قاعدة التنويه ، حيث قالوا : إن إيجاد القبيح قبيح ، فجعلوا للأعيان الخبيثة الضارة صانعا ، وللأعيان المستحسنة صانعا ، فالمعتزلة قالوا : إن إيجاد القبيح قبيح وإرادة القبيح قبيحة ، فتركوا عموم قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 1 » في خلق أفعال العباد من الطاعات والمعاصي ، وتركوا أيضا ظاهر قوله تعالى :

--> ( 1 ) سورة الزمر : 62 .