محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى
23
التيسير في قواعد علم التفسير
قال أبو المعين : ولهذا سمى الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي هذا الكتاب بالتأويلات - دون التفسير - احترازا عن الدخول تحت هذا الحديث . فإذا سئل فقيل لك : ما معنى : لا رَيْبَ في قوله تعالى : ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ « 1 » وقلت : معنى لا رَيْبَ : لا شك ، يكون هذا تفسيرا . وإذا قيل لك : فكيف تنفى الريب ، وكم مرتاب فيه ؟ ! قلت في الجواب عنه : إنه في نفسه حقّ وصدق ، ومتى نظر فيه علم أنه صدق ، فانتفى عنه الريب ، يكون هذا تأويلا ، فقس على هذا أمثال ما ذكر . ولا يقال الحديث المذكور متروك لأنه مخالف للإجماع ؛ وذلك أن السلف من الصحابة وغيرهم قد استنبطوا معاني القرآن بالرأي ؛ فإنهم لم يجدوا في جميع ما ذكروا من الأقاويل لكل قول آية محكمة ولا حديثا متواترا ولا إجماع الأمة ، ولا شك أن ذلك الاستنباط تفسير للقرآن بالرأي ، وقد أجمعوا على صحة ذلك الاستنباط لأنّا نقول : الممنوع هو القطع والتفسير بالرأي بلا دليل ، لا التأويل المقترن بالعرض على الأصول من متواتر أو إجماع الأمة ، ولا شك أن الاستنباط المذكور من قبيل هذا التأويل . وأما ما رواه أبو داود من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قال في كتاب اللّه برأيه فأصاب فقد كفر » - إن صح - فهو محمول على التهديد ، جمعا بينه وبين الإجماع المذكور ، وقد أجيب عنه أيضا بأن المراد من « قال فيه برأيه » أي من غير علم ، وقد يفتح اللّه تعالى ما يشاء لمن يشاء من عباده من التأويل للقرآن العظيم .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 .