محمد حسين الذهبي
80
التفسير والمفسرون
الوشاية بهما عنده فخرجا بنا وبأهلينا إلى حضرة الإمام أبى محمد الحسن بن علي ابن محمد أبى القائم ، فلما دخلا عليه قال لهما مرحبا بالآوين إلينا ، الملتجئين إلى كنفنا ، قد تقبل اللّه سعيكما ، وأمن روعكما ، وكفا كما أعداء كما ، فانصرفا آمنين على أنفسكما وأموالكما ، قالا : فما ذا تأمر أيها الإمام ؟ أن نرجع في طريقنا إلى أن ننتهى إلى بلد خرجنا منه ؟ وكيف ندخل ذلك البلد ومنه هربنا وطلب سلطان البلد لنا حثيث ، ووعيده إيانا شديد ؟ فقال عليه السلام : خلفا على ولديكما هذين لأفيدهما العلم الذي يشرفهما اللّه به ، ثم لا تحفلا بالسعاة ولا بوعيد المسعى إليه ؛ فإن اللّه عز وجل يقصم السعاة ويلجئهم إلى شفاعتكم فيهم عند من هربتم منه . قال أبو يعقوب وأبو الحسن : فأتمرا لما أمرا ، وخرجا وخلفانا هناك ، فكنا نختلف إليه فيتلقانا ببر الإماء وذوى الأرحام الماسة ، فقال لنا ذات يوم إذا أتاكما خبر كفاية اللّه عز وجل أبويكما ، وإخزائه أعداءهما ، وصدق وعدى أباهما ، جعلت من شكر اللّه عز وجل أن أفيد كما تفسير القرآن مشتملا على بعض أخبار محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيعظم اللّه بذلك شأنكما ، قالا : ففرحنا وقلنا يا ابن رسول اللّه . . فإذا نأتى جميع علوم القرآن ومعانيه ، قال : كلا إن الصادق علم ما أريد أن أعلمكما بعض أصحابه ففرح بذلك وقال : يا ابن رسول اللّه قد جمعت علوم القرآن كلها ، قال : قد جمعت خيرا كثيرا ، وأوتيت فضلا واسعا ، ولكنه مع ذلك أقل قليل أجزاء علم القرآن إن اللّه عز وجل يقول : « قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 1 » » ويقول : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ « 2 » » . وهذا علم القرآن ومعانيه وما أودع من عجائبه ، فكيف ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا القرآن ؟ ولكن القدر الذي أخذته قد فضلك اللّه به على كل من لا يعلم كعلمك ولا يفهم كفهمك .
--> ( 1 ) الآية ( 109 ) من سورة الكهف . ( 2 ) الآية ( 27 ) من سورة لقمان .