محمد حسين الذهبي
599
التفسير والمفسرون
بيدهم إلى حيث يكون صلاحهم ، وصلاح من تحت إمرتهم ورعايتهم . . يدفعه في هذا كله إخلاصه لربه . ولوطنه ، ولأمته . . . فمثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 13 ) من سورة الشورى : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً . . الآية » نجده يقول : ( . . . والحكمة في هذه الشرائع الإلهية : أن الإنسان إذا ترك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية ، ضل وكره الحياة ، وكان أشقى من أنواع الحيوان ، وشقاؤه يكون من ناحية العقل نفسه ، فقد دلت التجارب على أن العقل غير المؤيد بالشرع الإلهى يذهب مذاهب شتى ، منها الصواب ومنها الضلال ، وهو فيما عدا المحسات والماديات ضلاله أكثر من صوابه . وهذه آراء العلماء في الفلسفة والأخلاق ، يشبه بعضها هذيان المحموم ، وبعضها لا يدرك له محصل على كثرة ما يقولون من مقدمات وبراهين . وهذه مذاهب الاجتماع قديمها وحديثها ، لم تسعد الأمم بها ، فلا بد من هداية تصدر عن المعصوم يحملها من عند اللّه العلى الحكيم . وقد دلت التجارب أيضا على أن الأمم التي عملت بالهدى كله أو بعضه سعدت بمقدار ذلك الهدى الذي عملت به ) . ( وأما أنه لولا الدين لما احتمل الإنسان هذه الحياة ، فإنها على قصرها مملوءة بالمصائب والويلات ، فمن فقر مدقع ، إلى مرض مزمن ، ومن فقد الأهل والعشيرة ، إلى فقد العزة والجاه ، ومن شرف رفيع ، إلى ذلة ومهانة . . . واحتمال هذا كله إذا لم يكن أمام الإنسان أمل ينتظره ، وحياة دائمة فيها سعادة دائمة ليس في طاقة الإنسان ، فالاعتقاد بالآخرة يرفه العيش ، ويجعل المؤمن في سعادة نفسية ، ويقويه على احتمال الصعاب ، وعلى الصبر على معاشرة الناس ، فلا بد من نظام يعتقد فيه العصمة من الخطأ ، ويهدر معه حكم العقل إذا حصل تعارض بينهما ؛ فإن دائرة العقل محدودة ، وهي قاصرة عن إدراك خفايا المستقبل ) . وإذا قيل : إن التدين مقيد للحرية ، ومانع من التمتع باللذات ، فكيف تكون فيه السلوى والعزاء ؟ فالجواب : أن الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث ، ولم يحظر من اللذات إلا ما يضر الإنسان ، وليست السعادة في حرية البهائم ،