محمد حسين الذهبي

600

التفسير والمفسرون

بل في حرية يسبح بها فيما فيه خيره وسعادته ، ويحظر عليه فيها ما فيه ضرره وشقاؤه ، وقوام آداب الأمم وفضائلها ، التي قامت عليها صروح المدنية الحقة مستند إلى الدين ، وبعض العلماء يحاول تحويلها عن أساس الدين ، وبناءها على أساس العقل والعلم ، غير أنه لا شبهة في أن الأمم التي تروم هذا التحول تقع في اضطراب وفوضى لا تعلم عاقبتهما ، وليس من الميسور أن تبنى للعامة قواعد الفضيلة على أساس علم الأخلاق ، أو أية قاعدة علمية أخرى ، ولكن من الميسور دائما أن تبنى قواعد الفضيلة على أساس العصمة للدين ، فالذي يحاول العلماء : وهم وخيال « 1 » ) . ومثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 185 ) من سورة البقرة : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » نجده بعد أن يشرح الآية ، ويذكر ما في القرآن من هداية يقول : ( هذا هو القرآن الذي سعد به المسلمون بحياة روحية هي المثال الأعلى للنفس الإنسانية ، وبحياة جثمانية طاهرة بريئة ، وبحياة علمية لا يزال ما بقي من نورها يستمتع به الناس ، وهو موضع للعجب ومثار للاكبار والإجلال ) . ( سعدوا به حقبة ، ثم انحرفوا عنه فعاقبهم اللّه بما هم فيه من ذلك وهوان ، حتى أصبحوا يخافون تخطف الناس لهم ، وصاروا في حاجة إلى غيرهم في كل مرافق الحياة ، ووصل بهم الجهل إلى حد أن ظنوا أن كل ما عند غيرهم خير يجلب ، وكل ما عندهم شر ينبذ ، وأنه لا حياة لهم إلا بالقدوة . . القدوة حتى فيما علم غيرهم شره وفساده ، وحاولوا نبذه وطرحه ، وقد أصبح المسلمون مثلا سينة للاسلام ، يحتج بهم عليه والدين منهم برئ ) . ( الدين يطلب رجالا صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ، رجالا باعوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، رجالا خلقاء بأن يكونوا خلفاء عن اللّه في الأرض ، يعلمون سرها ، ويسخرونه للخير ودفع الأذى ، يدفعون عوادى الزمان بمناكبهم كأنهم بنيان مرصوص ، يعرفون للكرامة

--> ( 1 ) الدروس الدينية لسنة 1365 ه ص 34 - 36