محمد حسين الذهبي
59
التفسير والمفسرون
ثانيهما : أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية ، من غير استظهار بالسماع والنقل عن الأئمة فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة والمبدلة ، وما فيها من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير ، وفيما يتعلق بالناسخ والمنسوخ والخاص والعام والرخص والعزائم والمحكم والمتشابه ، إلى غير ذلك من وجوه الآيات المفتقرة إلى السماع إذ من بادر إلى استنباط المعاني فيها بمجرد فهم العربية كثر غلطه ، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي ، فلا بد له أولا من السماع وظاهر التفسير ليتقى مواضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط ، فإن ظاهر التفسير يجرى مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها « 1 » » فإن معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها . والناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء ، ولا يدرى أنهم بما ذا ظلموا ، وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم ، ومن ذلك الآيات التي سنشير إلى كونها واردة على سبيل الكناية والرموز بحيث لا يطلع على ما فيها إلا من تجرع كئوس علوم آل محمد صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ، كما سيأتي في الفصل السادس من المقالة الأولى من المقدمة الثالثة في قوله تعالى : « وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 2 » » من أن المراد ظلم محمد وآله . ومنها ما سيأتي أيضا في الفصل الثالث من المقالة المذكورة في قوله تعالى : « وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا « 3 » » من أنه تعالى عنى بذلك غير النبي صلى اللّه عليه وسلم كما قال الصادق عليه السلام : « ما خاطب اللّه به نبيه فهو يعنى به من قد مضى » وقد روى الكليني وغيره عنه عليه السلام أنه قال : « نزل القرآن بإياك أعنى واسمعى يا جارة » . وعن الباقر عليه السلام : « إذا علم اللّه شيئا هو كائن أخبر عنه خبر ما قد كان » وقد مر في حديث جابر قوله عليه السلام : « وليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إن الآية ليكون أولها
--> ( 1 ) في الآية ( 59 ) من سورة الإسراء . ( 2 ) في الآية ( 57 ) من سورة البقرة . ( 3 ) الآية ( 74 ) من سورة الإسراء .