محمد حسين الذهبي
586
التفسير والمفسرون
ولكن صاحب المنار يستشعر معارضة بعض نصوص القرآن والحديث لما ساقه من أدلة على مدعاه فيقول : ( وقد يعارضه - يعنى الحديث السابق - آية انشقاق القمر مع ما ورد في أحاديث الصحيحين وغيرهما من أن قريشا سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم آية على نبوته فانشق القمر فكان فرقتين ، ولكن في الأحاديث الواردة في انشقاقه عللا في متنها وأسانيدها ، وإشكالات علمية ، وعقلية ، وتاريخية ، فصلناها في المجلد الثلاثين من المنار ، وبينا أن ما تدل عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح في حصر معجزة نبوته صلى اللّه عليه وسلم في القرآن وكون الآيات المقترحة تقتضى إجابة مقترحيها عذاب الاستئصال ، هو الحق الذي لا ينهض لمعارضته شئ « 1 » ) . وإذا كان الشيخ رشيد قد تخلص هنا من معارضة الحديث بالطعن فيه ، فإنه قد تخلص في موضع آخر من معارضة الآية ، حيث فسر انشقاق القمر بظهور الحجة « 2 » ! ! . . . رأيه في مسائل من الفقه : كذلك نجد صاحب المنار يعطى نفسه حرية واسعة في استنباط الأحكام من القرآن الكريم ، مما جعله يخالف جمهور الفقهاء ، ويسفههم فيما ذهبوا إليه وإذا أردت مثالا لذلك فارجع إلى ما كتبه على قوله تعالى في الآية ( 180 ) من سورة البقرة : « كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ » فستجد أنه لم يعبأ بما عليه جمهور العلماء من أهل السنة من أن حكم هذه الآية منسوخ ، بصرف النظر عن كون الناسخ آية المواريث أو حديث لا وصية لوارث ، الذي جنح الشافعي في الأم إلى أن متنه متواتر « 3 » ، فراح - رحمه اللّه - يؤكد بكل ما يملك من
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 11 ص 333 وانظر الوحي المحمدي للمؤلف ص 69 - 70 مطبعة المنار سنة 1354 ه . ( 2 ) انظر القول الفصل ص 163 . ( 3 ) نيل الأوطار للشوكاني ج 6 ص 40 المطبعة العثمانية سنة 1357 ه .