محمد حسين الذهبي
587
التفسير والمفسرون
حجة : أن حكم الوصية للوالدين والأقربين باق لم ينسخ ، كما راح يفند كل دليل تمسك به الجمهور . ولا أطيل بذكر ما قال في هذا الموضوع ، ويكفى أن أقول لك : إنه أنهى البحث في هذه المسألة بقوله : ( وصفوة القول : أن الآية غير منسوخة بآية المواريث ؛ لأنها لا تعارضها ، بل تؤيدها ، ولا دليل على أنها بعدها ، ولا بالحديث ، لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب ، فهي محكمة ، وحكمها باق ، ولك أن تجعله خاصا بمن لا يرث من الوالدين أو الأقربين كما روى عن بعض الصحابة ، وأن تجعله على إطلاقه ، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فينبذ ما كتبه اللّه عليه بغير عذر ، ولا سيما بعد ما أكده بقوله : « حقا على المتقين » « 1 » ) . وإن أردت مثالا آخر فارجع إلى ما ذهب إليه في آية التيمم من سورة النساء ، فسترى أنه يقرر : أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه ولا علة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافرا ، ويخالف بذلك جماعة الفقهاء ، ويحمل عليهم حملة شديدة فيما ذهبوا إليه من أن المسافر لا يجوز له التيمم مع وجود الماء ، كما ينكر على من استشكل الآية من المفسرين ، ويقول فيما يقول : ( سيقول أدعياء العلم من المقلدين . نعم . . إن الآية واضحة المعنى ، كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم ، ولكنها تقتضى عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء . وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا ، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين ؟ وكيف يعقل أن يخلفوها من غبر معارض لظاهرها أرجعوها إليه ؟ . . ولنا أن نقول لمثل هؤلاء - وأن كان المقلد لا يحتاج لأنه لا علم له - وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلا مشكلا ؟ واى الأمرين أولى بالترجيح ؟ الطعن ببلاغة القرآن وبيانه . لحمله على كلام الفقهاء ؟ أو تجويز الخطأ على الفقهاء ؛ لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف ، وهو الموافق الملتثم مع غيره من رخص السفر ، التي فيها قصر الصلاة وجمعها ، وإباحة الفطر في
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 141 .