محمد حسين الذهبي

581

التفسير والمفسرون

استباحة المحرم ، فإذا كان الوعيد قاصرا على الاعتقاد بحله لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل ) . ( والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء ، يجب إرجاع كل قول في الدين إليه ، ولا يجوز تأويل شئ ليوافق كلام الناس ، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد ، وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة الاستحلال . ومن العجيب أن يجعل الرازي الآية هنا حجة على القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار ، انتصارا لأصحابه الأشاعرة ، وخير من هذا التأويل تأويل بعضهم الخلود بطول المكث . أما نحن فنقول : ما كل ما يسمى إيمانا يعصم صاحبه من الخلود في النار ، الإيمان إيمانان : إيمان لا يعدو التسليم الإجمالي بالدين الذي نشأ فيه المرء أو نسب إليه ، ومجاراة أهله ولو بعدم معارضتهم فيما هم عليه . وإيمان هو عبارة عن معرفة صحيحة بالدين عن يقين بالإيمان ، متمكنة في العقل بالبرهان ، مؤثرة في النفس بمقتضى الإذعان ، حاكمة على الإرادة المصرفة للجوارح في الأعمال ، بحيث يكون صاحبها خاضعا لسلطانها في كل حال ، إلا ما لا يخلو عنه الإنسان من غلبة جهالة أو نسيان . وليس الربا من المعاصي التي تنسى ، أو تغلب النفس عليها خفة الجهالة والطيش كالحدة وثورة الشهوة ، أو يقع صاحبها منها في غمرة النسيان كالغيبة والنظرة ، فهذا هو الإيمان الذي يعصم صاحبه بإذن اللّه من الخلود في سخط اللّه ، ولكنه لا يجتمع مع الإقدام على كبائر الإثم والفواحش عمدا ، إيثارا لحب المال واللذة ، عن دين اللّه وما فيه من الحكم والمصالح . وأما الإيمان الأول : فهو صوري فقط ، فلا قيمة له عند اللّه تعالى ؛ لأنه تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال ، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال ، كما ورد في الحديث والشواهد على هذا الذي قررناه في كتاب اللّه تعالى كثيرة جدا ، وهو مذهب السلف الصالح ، وإن جهله كثير مما يدعون اتباع لسنة حتى جرءوا الناس على هدم الدين ، بناء على أن مدار السعادة على الاعتراف بالدين وإن لم يعمل به ، حتى صار الناس يتبجحون بارتكاب الموبقات ، مع الاعتراف بأنها من كبائر ما حرم ، كما بلغنا عن بعض