محمد حسين الذهبي
58
التفسير والمفسرون
الدالة على أن في معاني القرآن لأرباب الفهم متسعا بالغا ومجالا رحبا فقال : لنا في هذا المقام توجيهات عديدة نشير هاهنا إلى ما هو الأكمل منها ، وهو ما ذكره بعض محققي علمائنا ، وقال « الصواب أن يقال : إن من أخلص الانقياد للّه ورسوله ولأهل البيت ، وأخذ علمه منهم ؛ وتتبع آثارهم ، واطلع على جملة من أسرارهم ، بحيث يحصل له المراس في العلم والطمأنينة في المعرفة ، وانفتح عينا قلبه ، وهجم به العلم على حقائق الأمور ، وباشر روح اليقين ، وأنس بما استوحش منه الجاهلون ، فله أن يستفيد من القرآن غرائبه ، ويستنبط منه نبذا من عجائبه ، وليس ذلك من كرم اللّه بغريب ، ولا من جوده بعجيب ، وليست السعادة وقفا على قوم دون آخرين ، وقد عدوا عليهم السلام جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم ، كما قالوا : سلمان منا أهل البيت ، فمن هذه صفته لا يبعد دخوله في الراسخين في العلم ، العالمين بالتأويل » اه ص 12 - 13 ثم قال : وأما التفسير المنهى عنه ، فقد نزله المحقق أيضا على وجهين : أحدهما : أن يكون للمفسر في الشيء رأى وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه ، ليحتج به على تصحيح غرضه ومدعاه ، فيكون قد فسر القرآن برأيه ؛ أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير ، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه . وهذا كما أنه مع الجهل كأكثر تفاسير المخالفين مثلا كذلك قد يكون مع العلم ، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك ، ولكن يلبس على خصمه ، ومن هذا ما مر من تأويلات الباطنية ، وقد يصدر مثله عمن له غرض صحيح ، لكن يطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به ذلك ، كالذي يدعو مثلا إلى مجاهدة القلب القاسى فيقول : قال اللّه تعالى : « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى » ويشير إلى قلبه ويؤمي إليه أنه المراد بفرعون . قال ذلك المحقق ، وهذا قد يستغله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع .