محمد حسين الذهبي
575
التفسير والمفسرون
الذي أصيب به عليه الصلاة والسلام كان من قبيل الأمراض التي تعرض للبدن بدون أن تؤثر على شئ من العقل ، وقد قالوا إن ما فعله لبيد بن الأعصم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم من السحر لا يعدو أن يكون نوعا من أنواع العقد عن النساء ، وهو الذي يسمونه ( رباطا ) ، فكان يخيل إليه أن عنده قدرة على إتيان إحدى نسائه ، فإذا ما هم بحاجته عجز عن ذلك . أما السحر الذي نفى عنه صلى اللّه عليه وسلم فمراد به الجنون ، وهو مخل ولا شك بمقام النبوة . وقد قالوا « يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ » . ثم إن الحديث رواية البخاري وغيره من كتب الصحيح ، ولكن الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري ، كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن ، وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة التي هي بالنسبة للكتاب في منزلة المبين من المبين ، وقد قالوا : إن البيان يلتحق بالمبين ، وليس هذا الحديث وحده هو الذي يضعفه الشيخ ، أو يتخلص منه بأنه رواية آحاد ، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها هذا الحكم القاسى ، فمن ذلك أيضا حديث الشيخين ( كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها ) فإنه قال فيه : ( إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة « 1 » ) . فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له ، ثم يتخلص من إرادة الحقيقة على فرض الصحة ، بجعل الحديث من باب التمثيل ، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة . الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط . وبعد . . فهذا هو إنتاج الأستاذ الامام في التفسير ، وهذا هو مسلكه ومنهجه فيه ، ولعلى أكون قد أرضيت الحقيقة ، ولم أتجن على الشيخ ، أو أتهمه بما هو منه برئ .
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 3 ص 390 .