محمد حسين الذهبي
568
التفسير والمفسرون
اللّه خراب هذا العالم الذي نحن فيه ، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم ، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره ، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام ، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع ، فتكون السماء قد تشققت بالغمام ، واختل نظامها حال ظهوره ) اه « 1 » . هذا التفسير من الأستاذ الإمام عمل جليل يشكر عليه ، إذ غرضه من ذلك تقريب معاني القرآن وما يخبر به من عقول الناس ، بما هو معهود عندهم ومسلم لديهم . ولكن هل لا بد في فساد الكون من أن يترتب على مثل هذه الظاهرة الكونية ؟ وهل يعجز اللّه عن إفساده وإخلاله بأمر آخر غير ذلك ؟ أليس الأولى بنا أن نؤمن بما جاء به القرآن ، ولا نخوض فيما وراء ذلك من تفصيلات كما هو مذهب الشيخ ؟ أحسب أن الشيخ يضرب ذلك مثلا ، ولا يريده على أنه أمر لا بدّ منه . ومثلا عندما يعرض لتفسير سورة الفيل . بعد أن ذكر ما قبل في إرسال الطير على أبرهة ، وما جاءت به بعض الروايات من أن الذي أصابهم هو داء الجدري والحصبة يقول : ( وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة ، أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش ، بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله اللّه مع الريح ، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض ، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس ، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه ، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه ، وإن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود اللّه في إهلاك من يريد إهلاكة من البشر ، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها ، وهو فرق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها ولا يتوقف ظهور أثر قدرة اللّه تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في
--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 49