محمد حسين الذهبي

559

التفسير والمفسرون

ويحملونهم عليه ، ولكنهم لم يطلبوا ذلك ، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها ، ويمارون فيها من يباريهم في طلبها ، ولا يخرجون لإظهار البراعة في تحصيلها عن حد الإكثار من القول ، واختراع الوجوه من التأويل والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل ) . ( إن اللّه تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه ، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا ، وعن سنة نبينا الذي بين لنا ما نزل إلينا « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » ) « 1 » . ( يسألنا هل بلغتكم الرسالة ؟ هل تدبرتم ما بلغتم ؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم ؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن ، واهتديتم بهدى النبي ، واتبعتم سنته ؟ عجبا لنا ننتظر هذا السؤال ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه ، فيا للغفلة والغرور « 2 » ) اه كما وجدناه يعرف لنا الفهم الصحيح للقرآن فيقول : ( . . . وأعنى بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها ، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه . لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا ، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان ، الذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر ) اه « 3 » . ومما يذكر في هذا المقام أنه ( لما أبدى الأستاذ الإمام رأيا طريفا في تفسير بعض الآيات ، قال له أحد المجاورين : إن ما قلته لا يوافق عليه الجمل - يعنى بالجمل أحد المؤلفين ممن كتبوا الحواشى على تفسير الجلالين - فقال الأستاذ على الفور : إنني أقرر ما يدل عليه المعنى الجليل ، والكلام البليغ ، ولا يعنيني أوافق عليه الجمل أو الحمار « 4 » ) .

--> ( 1 ) في الآية ( 44 ) من سورة النحل ( 2 ) تفسير المنار ج 1 ص 27 ( 3 ) تفسير المنار ج 1 ص 27 ( 4 ) محمد عبده لعثمان أمين ص 125