محمد حسين الذهبي
560
التفسير والمفسرون
كل هذا يدلنا على أن الأستاذ الإمام كان حرا في تفكيره وفهمه للقرآن ، صريحا في نقده ونصحه للتفسير والمفسرين ، جريئا في ثورته على القديم ، ودعوته إلى التحرر مما أحاط بالعقول من القيود ، وما أوغلت فيه من الركود والجمود هذا . . وإن الأستاذ الإمام لم يكن كغيره من المفسرين الذين كلفوا بالإسرائيليات فجعلوا منها شروحا لمبهمات القرآن ، بل وجدناه على العكس من ذلك نفورا منها ، وشرودا من الخوض فيها ، لاعتقاده أن اللّه تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهما في كتابه ، ولو أراد منا ذلك لدلنا عليه في كتابه أو على لسان نبيه ، وهو يصرح بأن هذا هو ( مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعي لا يتعداه ، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه « 1 » » . وإذا نحن تتبعنا أقواله في مبهمات القرآن وجدناه محافظا على هذا المبدأ ، لا يعدل عنه ولا يحيد ، إلا في مواضع قليلة نادرة . فمثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآيتين ( 10 و 11 ) من سورة الانفطار « وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * » نجده يقول : ( ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه : أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات ، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ، ومن أي شئ خلقوا ، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم ، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا . . وهو يبعد فهمه ؟ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال ؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد ؟ أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث اللّه الناس ؟ كل ذلك لا نكلف العلم به ، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى اللّه ، والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 320