محمد حسين الذهبي

558

التفسير والمفسرون

وكان من دأبه أنه لا يرجع إلى كتاب من كتب التفسير قبل إلقاء دروسه حتى لا يتأثر بفهم غيره ، وكل ما كان منه أنه إذا ما عرض له وجه غريب من الإعراب ، أو كلمة غريبة في اللغة رجع إلى بعض كتب التفسير ، ليرى ما كتب في ذلك ، وقد حدث عن نفسه بذلك فقال : ( إنني لا أطالع عندما أقرأ لكنني ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب في الإعراب ، أو كلمة غريبة في اللغة « 1 » ) . غير أننا نجد تلميذه السيد محمد رشيد رضا يذكر أن الأستاذ الإمام كان ( يتوكأ في ذلك - يعنى في دروسه في التفسير - على عبارة تفسير الجلالين الذي هو أوجز التفاسير ، فكان يقرأ عبارته فيقرها ، أو ينتقد منها ما يراه منتقدا ثم يتكلم في الآية أو الآيات المنزلة في معنى واحد بما فتح اللّه عليه ، مما فيه هداية وعبرة « 2 » ) وسواء أقلنا إن الأستاذ الإمام كان يرجع إلى كتب التفسير أم لا يرجع إليها ، فإنه كان يحكم عقله فيما يلقى وفيما يكتب ، غير ملتفت إلى ما سبق به من أقوال في التفسير ، ولا يواقف عند اعتبارات المؤلفين وأفهامهم وقوف من يخضع لها ، ويسلم بها ، على ما فيها من غث وسمين . نعم لم يحمد الأستاذ الإمام على ما في كتب قدماء المفسرين ، ولم يلغ عقله أمام عقولهم ، بل على العكس من ذلك وجدناه يندد بمن يكتفى في التفسير بالنظر في أقوال المتقدمين فيقول : ( التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون ، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء في كتب التفسير ، على ما في كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » « 3 » ولبت أهل العناية باطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعانى الكتاب ، ثم يبثونه في الناس

--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 14 ويظهر من سياق الكلام أن صحة العبارة ( قبل أن أقرأ كما نبه على ذلك في حاشية الكتاب . ( 2 ) تفسير المنار ج 1 ص 15 . ( 3 ) في الآية ( 82 ) من سورة النساء .