محمد حسين الذهبي

536

التفسير والمفسرون

ووضوح ميله إلى أن المراد هو التكوين الروحي لا غير ، وإنك لتجده يصرح في موضع آخر بأن المراد هو تكميل التكوين الروحي بالهداية الدينية ، وذلك عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 110 ) من سورة المائدة « . . . وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي . . . » . . من هذا تعرف أن عيسى نبي أرسله اللّه إلى بني إسرائيل ليشفى نفوسهم ، ويحيى موت قلوبهم ، فآيته في دعوته وسيرته وهدايته . عاش ومات كغيره من الأنبياء في بشريته ، فلم يكن خارقا في سنته ، ولا ممتازا بما يدعو ألوهيته وعبادته « 1 » ) . كذلك تجده ينكر أن يكون عيسى عليه السلام قد تكلم في المهد وذلك حيث يؤول قوله تعالى في الآية ( 46 ) من سورة آل عمران « . . . وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا . . » ما نصه : ( في المهد : في دور التمهيد للحياة وهو دور الصبا ، علامة على الجرأة وقوة الاستعداد في الصغر . وكهلا : علامة على أنه لا يفل عزمه بالشيخوخة والكبر - ويصح أن يكون المعنى يكلم الناس الصغير منهم والكبير علامة على تواضعه ومباشرة دعوته بنفسه « 2 » ) اه . وتأول أيضا قوله تعالى في الآية ( 29 ) من سورة مريم « فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » فقال : ( أي كان ذاك النهار ولدا صغيرا فكيف يأمرنا وينهانا ونحن كبار القوم فهذا ابن حرام « 3 » ) . ولما رأى أن قوله تعالى قبل ذلك في الآية ( 27 ) « فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ » لا يتفق مع تأويله السابق تأوله أيضا فقال : ( تحمله على ما يحمل عليه المسافر ، ومنه تفهم أنه كان في سياحة طويلة « 4 » ) .

--> ( 1 ) ص 97 ( 2 ) ص 44 ( 3 ) ص 239 ( 4 ) ص 239