محمد حسين الذهبي

526

التفسير والمفسرون

في قوله تعالى « وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا » « 1 » إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدى اللّه بهم ، لا أن يولد لهم . ولم يتحدث القرآن عن هبة يحيى لزكريا ، وإسحاق لإبراهيم إلا لأن هبة الإيجاد فهما قد تضمنت أمرين عظيمين : ( الأول ) أنه قد ولد لإبراهيم ولزكريا عن كبر وشيخوخة ويأس وقنوط . ( والثاني ) أن الموهوب لكل منهما رسول لا ولد عادى ، فموضع المنة في هذا : كونهما رسولين لا كونهما ولدين ) . ( ثم بين اللّه بعد ذلك سيرة أيوب التي أمره أن يسير بها في قومه . وهي اللين في القول ، والرفق في الدعوة ، والعظة بالحسنى ، وتلك هي الخطة التي رسمها اللّه لجميع أنبيائه ، انظر كيف يقول لموسى وهارون « اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » « 2 » . ويقول لرسوله الكريم : « وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » « 3 » . « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 4 » وبين اللّه ذلك فقال : « وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ » أي لا ترفع في وجوه قومك رمحا ولا عصا ، ولا تغلظ لهم القول ، ولا تخاشنهم في الطلب ، بل لوح في وجوههم بالرياحين والأزهار ، ولا تأثم بالغلظة والجفوة ، فإنك بخفض الجناح والجدال بالتي هي أحسن تبلغ منهم ما لا تبلغه بالسيف ، والعصا ، والخشونة ، والغلظة . فانظر إلى ما في الآية من كناية ما أجملها وأعلاها ، وما أخصبها وأرواها ، وانظر كم تعطيك على هذا الوجه من فنون البلاغة ، وكم تمنحك من جزالة في الأسلوب ، ثم هم - يريد المفسرين - بعد ذلك يمسخونها ويشوهونها ، فيجعلونها منقطعة عما قبلها ، وما بعدها ، فتقلق في مرقدها ، وتنبو في مضجعها ، إذ يجعلونها متوقفة في فهمها على معونة أجنبية من الكلام الذي هي فيه ، وذلك من أدعى الدواعي لانحطاط

--> ( 1 ) في الآية ( 53 ) من سورة مريم ( 2 ) الآيتان ( 43 و 44 ) من سورة طه ( 3 ) في الآية ( 159 ) من سورة آل عمران ( 4 ) في الآية ( 215 ) من سورة الشعراء