محمد حسين الذهبي

525

التفسير والمفسرون

الذي كان يبلغ أحيانا حد الإهلاك للنفس إلا لبطء في سير الدعوة إلى اللّه تعالى . . انظر قوله تعالى « وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ » « 1 » وقوله تعالى « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً « 2 » . ولما كانت الشكوى تشعر بوهن في العزيمة ، وضعف في الثقة . وعدم القوة في السير إلى الغاية ، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له « اركض برجلك » فالمراد بالركض هنا ؛ عقد العزيمة وتأكيدها ، واستتمام الثقة وإكمالها ، والمضاء بقوة وبغير تردد ولا توان إلى الغاية ، فهي كناية من أعذب الكنايات وأروعها ، وهي من وادى - شمر عن ساعد الجد . شمر عن ساقيك - غير أنها أوفر منها صياغة وترفعا . إذ من المعروف المشاهد أن السائر إلى جهة بغير تردد ، بل بقوة وعزيمة ، ترى لرجليه ضربا ، وتسمع لقدميه على الأرض وقعا . ولما كان تردد المرء في غايته ، ووهن عزيمته إليها . وضعف ثقته بها ، صدأ يغشى الأرواح ، ومرضا يتعب النفوس ويضايق الصدور ، كان عقد العزيمة واستكمال الثقة غسلا للروح من صدئها ، وشفاء للنفس من مرضها ، ونقعا لغلة الصدور ؛ لذلك قال اللّه لرسوله أيوب « هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ » . والآية كما ترى ليس فيها مرجع لاسم الإشارة إلا الركض المفهوم من قوله « اركض » المكنى به عن توثيق العزم ، والأخذ بالحزم ، كما هو مقتضى النظم الكريم ، الجاري لقواعد اللغة ، التي تأبى أن يكون لاسم الإشارة مرجع غير هذا من الماء والعين ، كما يقتضيه تفسير المفسرين ؛ إذ ليس في النظم ما يدل عليهما بأي وجه من وجوه الدلالة . ولما كان أيوب عليه السلام باعتباره رسولا لا بدّ أن يأتمر في إخلاص الأنبياء بأمر ربه ، بين اللّه ثمرة جهاده وصبره ، ومضاء عزمه ، فقال : « وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ » أي هدينا له أهله فآمنوا به واستجابوا لدعوته ، وهدينا له مثلهم من غير أهله ، فليس المراد بالهبة هنا هبة الخلق والإيجاد ، بل هبة الهداية والإرشاد ؛ بدليل تعبيره بالأهل دون التعبير بالذرية والولد ، كما

--> ( 1 ) في الآية ( 127 ) من سورة النحل . ( 2 ) في الآية ( 6 ) من سورة الكهف .