محمد حسين الذهبي

524

التفسير والمفسرون

يرميهم جميعا بأنهم كثيرا ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند أصلا ، فضلا عن طمعهم في تصحيح هذه الأسانيد المكذوبة ، ونراه يذكر لهما الاتهام الأخير مثلا من أقوالهم في تفسير قصة أيوب عليه السلام ، ثم يأخذ في تفنيد ما ذهبوا إليه ، وإبطال ما قالوا به ، بأدلة كثيرة ذكرها ، وبعد هذا كله تناول هو قوله تعالى في الآيات ( 41 ، 42 ، 43 ، 44 ) من سورة ( ص ) : « وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » . تناول الكاتب هذه الآيات ، فشرحها شرحا يخالف ما ذهب إليه المفسرون جميعا ، مدعيا أن ما ذهب إليه هو الذي يساير كل ما ورد من آيات القصص في القرآن ، ومؤكدا أنه هو الذي يتفق مع بلاغة القرآن ، وقدسية الأنبياء ، فقال : ( يجب أن ننظر في الآية نظرة أخرى - يعنى خلاف ما عليه المفسرون تساير بها نظائرها من آيات القصص ونحن إذا التفتنا إلى ما في هذه الآية من أن أيوب عليه السلام قد عزى النصب والعذاب للشيطان فقال « مسني الشيطان بنصب وعذاب » كان ذلك مانعا كل المنع من أن يراد بالنصب والعذاب داء أصاب أيوب ، وكان من نتائجه ما ذكره المفسرون . . إذ الشيطان لا يملك للإنسان إلا أن ينزغه ، ويوسوس إليه ، فيلويه عن الخير إلى الشر ، وعن العزم في سبيل الغاية إلى التردد والهزيمة ، وإنه ما من نبي ولا رسول إلا وقد نزل به هذا المصاب . . مصاب إعراض الناس واستهوائهم بالدعوة والداعين ، وصد الشيطان لهم عن سبيل اللّه « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ . . . الآية » « 1 » وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة ، ولا كان حزنهم

--> ( 1 ) الآية ( 52 ) من سورة الحج .