محمد حسين الذهبي

517

التفسير والمفسرون

إلا بعد ان يتجافى الناس عن أفعال الملحدين والكافرين ، . وجعل العلوم مرتبطة بالربوبية كما تشير إليه سورة الكافرون . هنا يكون نصر اللّه والفتح ويدخل الناس في هذه العلوم الحقيقية أفواجا . وعلى حكماء المسلمين الذين بعدنا متى نشروا هذه الآراء العلمية وأمثالها ، ورأوا المسلمين تقدموا ونصروا العلم على الجهل في العالم الإنسانى ، وأصبح المسلمون قائمين بما وعدهم ربهم من أنهم خير أمة أخرجت للناس ، وأنهم رحمة للعالمين ، متى رأى العلماء ذلك فيعلموا أن هذا هو النصر في زماننا ، وهو الفتح ، وإذا فعلى القائمين بذلك أن يحمدوا ربهم ويستغفروه . . . « 1 » ) الخ . هذا هو تفسير الجواهر ، وهذه نماذج منه وضعتها امام القارئ ، ليقف على مقدار تسلط هذه النزعة التفسيرية على قلم مؤلفه وقلبه . والكتاب - كما ترى - موسوعة علمية ، ضربت في كل فن من فنون العلم بسهم وافر ، مما جعل هذا التفسير يوصف بما وصف به تفسير الفخر الرازي ، فقيل عنه : ( فيه كل شئ إلا التفسير ) بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به ، وإذا دل الكتاب على شئ ، فهو أن المؤلف رحمه اللّه كان كثيرا ما يسبح في ملكوت السماوات والأرض بفكره ، ويطوف في نواح شتى من العلم بعقله وقلبه ، ليجلى للناس آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسهم ، ثم ليظهر لهم بعد هذا كله أن القرآن قد جاء متضمنا لكل ما جاء ويجيء به الإنسان من علوم ونظريات ، ولكل ما اشتمل عليه الكون من دلائل وأحداث ، تحقيقا لقول اللّه تعالى في كتابه : « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 2 » » ، ولكن هذا خروج بالقرآن عن قصده ، وانحراف به عن هدفه ، وقد عرفت رأينا في المسألة فلا نعيده .

--> ( 1 ) الجواهر ج 25 ص 269 - 273 . ( 2 ) في الآية ( 38 ) من سورة الأنعام .