محمد حسين الذهبي
516
التفسير والمفسرون
حاضرة كفائتة . جميعهم يصيغون ما يريدون من الجمال ، والحكمة ، والعلم ، ورقى الأمة بهيئة تسر الجمهور . . . ) ثم يقول : ( الجاهل يسمع الدر والياقوت وشرابا أحلى من العسل ، فيفرح ويعبد اللّه ليصل إلى هذه اللذات التي تقر بها عينه . . . والعالم ينظر فيقول : إن هذا القول وراءه حكمة ووراءه علم ؛ لأنى أرى في خلال القول عجائب . فلما ذا يذكر أن الكيزان أو الأباريق أو نحو ذلك عدد نجوم ، السماء ! وأي دخل لنجوم السماء هنا ؟ ولما ذا عبر به ؟ . . . ثم يقول : لما ذا ذكر أن الذين يرون الحوض عليهم آثار الوضوء ؟ ولم ؟ . . . ولم ؟ . . . الحق أن نبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم يريد أمرين : أمرا واضحا جليا يفرح به جميع الناس ، وأمرا يختص بالقواد والعظماء إن النبوة بأمر اللّه ، واللّه جعل في أهل الأرض فلاحين لا يعرفون إلا ظواهر الزرع ، وجعل أطباء يستخرجون منافع من الحب والشجر ، وحكماء يستخرجون علوما ، وكل لا يعرف إلا علمه ، فالطبيب يشارك الفلاح في أنه يأكل ، ولكنه يمتاز عنه بإدراك المنافع الطبية . هكذا حكماء الأمة الإسلامية يشاركون الجهلاء في أنهم يفهمون الحوض كما فهموه ، ويردونه معهم كما يردونه ، ولكن هؤلاء يمتازون بأنهم قواد الأمة الذين يقودونها . فما ذا يقولون ؟ يقولون إن النبي صلى اللّه عليه وسلم يريد معاني أرقى . إن الجنة فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فليس الماء الذي هو أحلى من العسل وأبيض من الثلج كل شئ هناك . ثم إن الجنة لا ظمأ فيها . وأي شئ عدد نجوم السماء ؟ ولما ذا اختصت النجوم بالعدد والوضوء بالأثر ؟ والذي نقوله . إن الحوض يرمز به للعلم مع بقائه على ظاهره ، فلا المسك الإذفر ، ولا أنواع الجواهر النفيسة من در وياقوت ، ولا حلاوة العسل الذي في ذلك الماء ، ولا اتساع الحوض إلا أفانين العلم ومناظر بدائعة المختلفة المناهج ، العذبة المشارب ، السارة للناظرين . . ) ثم يخلص من هذا كله إلى الاستدلال على أن ما ذهب إليه من قبيل الكناية التي هي لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي ، ثم يقول - بعد بيان هذه الكناية - ( . . . هنا يكون النصر ولا يكون