محمد حسين الذهبي

515

التفسير والمفسرون

وما كثر في هذا الزمان من استخراج الدفائن من الأرض ، مثل ما كشف في مصر من آثار قدمائها ، ثم يقول - بعد ما يفيض في هذا وغيره : ( ألست ترى أن هذه السورة - وإن كانت واردة لأحوال الآخرة - تشير من طرف خفى إلى ما ذكرنا في الدنيا ؟ فالأرض الآن كأنها في حال زلزلة ، وقد أخرجت أثقالها كنوزها وموتاها وغيرها ، والناس الآن يتساءلون ، وها هم أولاء يلهمون الاختراع ، وها هم أولاء مقبلون على زمان تنسيق الأعمال بحيث تكون كل أمة في عمل يناسبها ، وكل إنسان في عمله الخاص به وينتفع به « 1 » ) اه . ومثلا نجده بعد أن يفرغ من تفسير سورة الكوثر ، وسورة الكافرون ، وسورة النصر ، يذكر لنا بحثا مستفيضا عنوانه : ( تطبيق عام على سورة الكوثر والنصر وما بينهما ) وفيه نجده يتأثر بنزعته التفسيرية العلمية إلى درجة جعلته يحمل نصوص الشارع من المعاني الرمزية ما يستبعد أن يكون مرادا لها ، وذلك أنه يقرر أولا أن هذه السور لم تكن خاصة بزمان النبوة ، ولا بفتح مكة ونصر جيشها ، لأن هذه الأمة كانت عند نزول هذه السور في أول عمرها ، وسيطول إن شاء اللّه ، وكم سيكون لها من فتوح وانتصارات . ثم قال : ( وإذا كان الأمر كما وصفنا ونحن أبناء العرب ، وورثة النبي الذي جاء منا صلى اللّه عليه وسلم . ولغتنا في مصر ، والشام ، والعراق ، وشمال إفريقيا ، هي لغة القرآن فلنبين للناس بعدنا سر هذه السور ، فقد كان العلماء قبلنا يكتمونها ؛ خوفا من أهل زمانهم ، ولكنا الآن يجب علينا إبرازه وإظهاره ، لتأخذ هذه الأمة بعدنا حظها من الحياة ، وقسطها من الإصلاح . . ) ثم أخذ يبين لنا الكوثر ، وأوصاف كيزانه ، وطيره ، وأوصاف من سيرد عليه من المسلمين ، بما جاء في الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . . ثم قال - بعد هذا كله - : ( اعلم أن هذه الأحاديث وردت لغاية أرقى مما يراها الذين لا يفكرون ، كم أمم جاءت قبلنا وجاء فيهم مصلحون ، فما ذا فعلوا ؟ ألقوا إليهم العلم بهيئة جميلة ، وصورة مفرحة ، وبهجة وجمال . ولا نزال نرى كل أمة

--> ( 1 ) الجواهر ج 25 ص 249 - 251 .