محمد حسين الذهبي

434

التفسير والمفسرون

أنه هو الحق الذي يقوم على الأدلة والبراهين . وكانوا يتفقون فيما يحكمون به أحيانا ، وأحيانا يختلفون حسبما يتجه لكل منهم من الأدلة غير أنهم مع كثرة اختلافهم في الأحكام لم تظهر منهم بادرة التعصب المذهب ، بل كانوا جميعا ينشدون الحق ويطلبون الحكم الصحيح ، وليس بعزيز على الواحد منهم أن يرجع إلى رأى مخالفه إن ظهر له أن الحق في جانبه ، فهذا هو الشافعي رضى اللّه عنه كان يقول : إذا صح الحديث فهو رأيي ، وكان يقول : الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة ، وكان يقول لأحمد بن حنبل وهو تلميذه في الفقه : إذا صح الحديث عندك فأعلمنى به ، وكان يقول : إذا ذكر الحديث فما لك النجم الثاقب . . . إلى غير ذلك مما يدل على انتشار روح التقدير والحب بين أولئك الفقهاء . . وهذه هي سنة أسلافهم من الصحابة والتابعين « 1 » . 3 - التفسير الفقهي بعد ظهور التقليد والتعصب المذهبى : ثم خلف من بعد هؤلاء الأئمة خلف سرت فيهم روح التقليد لهؤلاء الأئمة . . التقليد الذي يقوم على التعصب المذهبى ، ولا يعرف التسامح ، ولا يطلب الحق لذاته ولا ينشده تحت ضوء البحث الحر ، والنقد البرىء . ولقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء المقلدة إلى أن نظروا إلى أقوال أئمتهم كما ينظرون إلى نص الشارع . فوقفوا جهدهم العلمي على نصرة مذهب إمامهم وترويجه ، وبذلوا كل ما في وسعهم لإبطال مذهب المخالف وتنفيده ، وكان من أثر ذلك أن نظر هذا البعض إلى آيات الأحكام فأولها حسبما يشهد لمذهبه إن أمكنه التأويل ، وإلا فلا أقل من أن يؤولها تأويلا يجعلها به لا تصلح أن تكون في جانب مخالفيه ، وأحيانا يلجأ إلى القول بالنسخ أو التخصيص ، وذلك إن سدت عليه كل مسالك التأويل . فهذا عبد اللّه الكرخي المتوفى سنة 340 ه وهو أحد المتعصبين لمذهب أبي حنيفة يقول : ( كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ ) « 2 » .

--> ( 1 ) انظر تاريخ التشريع الإسلامي للخضرى ص 353 - 354 . ( 2 ) تاريخ التشريع الاسلامي للأساتذة : السبكي والسائس والبريرى ص 281 :