محمد حسين الذهبي
435
التفسير والمفسرون
ومع هذا الغلو في التعصب المذهبى ، فإننا لم نعدم من المقلدين من وقف موقف الإنصاف من الأئمة ، فنظر في أقوالهم نظرة الباحث الحر الذي يساير الدليل حتى يصل به إلى الحق أيا كان قائله . وكان لهؤلاء وهؤلاء - أعنى المتعصبين وغير المتعصبين - أثر ظاهر في التفسير الفقهي ، فالمتعصبون ينظرون إلى الآيات من خلال مذهبهم فينزلونها عليه ، وغير المتعصبين ينظرون إليها نظرة خالية من الهوى المذهبى ، فينزلونها على حسب ما يظهر لهم ، وينقدح في ذهنهم . تنوع التفسير الفقهي تبعا لتنوع الفرق الإسلامية : وإذا نحن تتبعنا التفسير الفقهي في جميع مراحله ، وجدناه يسير بعيدا عن الأهواء والأعراض من مبدأ نزول القرآن إلى وقت قيام المذاهب المختلفة ، ثم بعد ذلك يسير تبعا للمذاهب ، ويتنوع بتنوعها ، فلأهل السنة تفسير فقهى متنوع بدأ نظيفا من التعصب ، ثم لم يلبث أن تلوث به كما أسلفنا ، وللظاهرية تفسير فقهى يقوم على الوقوف عند ظواهر القرآن دون أن يحيد عنها ، وللخوارج تفسير فقهى يخصهم ، وللشيعة تفسير فقهى يخالفون به من عداهم . . . وكل فريق من هؤلاء يجتهد في تأويل النصوص القرآنية حتى تشهد له أولا تعارضه على الأقل . . مما أدى ببعضهم إلى التعسف في التأويل ، والخروج بالألفاظ القرآنية عن معانيها ومدلولاتها . الإنتاج التفسيري للفقهاء : هذا وإنا إذا ذهبنا لنبحث عن مؤلفات في التفسير الفقهي ، فإنا لا نكاد نعثر على شئ من ذلك قبل عصر التدوين . اللهم إلا متفرقات تؤثر عن فقهاء الصحابة والتابعين ، يرويها عنهم أصحاب الكتب المختلفة ، أما بعد عصر التدوين فقد ألف كثير من العلماء على اختلاف مذاهبهم في التفسير الفقهي : فمن الحنفية : الف أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص والمتوفى سنة 370 ه سبعين