محمد حسين الذهبي

422

التفسير والمفسرون

هذه الجنة ، ولم يعقها شئ من سوء أفعالها ، أو فساد آرائها ، وتراكم جهالاتها أو رداءة أخلاقها ، فهي هناك في عالم الفلك في أقل من طرفة عين بلا زمان ، لأن كونها حيث همتها أو محبوبها كما تكون نفس العاشق حيث معشوقه فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد ، ومعشوقها هو الملذات المحسوسة المموهة الجرمانية ، وشهواتها هذه الزينات الجسمانية ، فهي لا تبرح من هاهنا ولا تشتاق الصعود إلى عالم الأفلاك ، ولا تفتح لها أبواب السماء ولا تدخل الجنة مع زمرة الملائكة ، بل تبقى تحت فلك القمر ، سائحة في قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادة ، تارة من الكون إلى الفساد ؛ وتارة من الفساد إلى الكون « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » ( في الآية ( 56 ) من سورة النساء ) « لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً » ( الآية ( 23 ) من سورة النبأ ) ما دامت السماوات والأرض ، لا يذوقون فيها برد عالم الأرواح الذي هو الروح والريحان ، ولا يجدون لذة شراب الجنان المذكور في القرآن ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه قالوا إن اللّه حرمهما على الكافرين ( الآية ( 50 ) من سورة الأعراف ) الظالمين لأنفسهم ويروى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( الجنة في السماء والنار في الأرض « 1 » ) اه . ومن ذلك أنهم يفسرون الملائكة بأنها كواكب الأفلاك فيقولون : ( إن كواكب الفلك هم ملائكة اللّه وملوك سماواته . . خلقهم اللّه تعالى لعمارة عالمه ، وتدبير خلائقه ؛ وسياسة بريته ، وهم خلفاء اللّه في أفلاكه كما أن ملوك الأرض هم خلفاء اللّه في أرضه « 2 » ) اه ، كذلك يرى إخوان الصفا ( أن نفس المؤمن بعد مفارقة جسدها تصعد إلى ملكوت السماء وتدخل في زمرة الملائكة ؛ وتحيى بروح القدس ، وتسبح في فضاء الأفلاك ، في فسحة السماوات ، فرحة ، مسرورة منعمة ، متلذذة ،

--> ( 1 ) رسائل إخوان الصفا ج 1 ص 91 - 92 المطبعة العربية سنة 1928 م . ( 2 ) المصدر السابق ج 1 ص 98