محمد حسين الذهبي

420

التفسير والمفسرون

من تفسير الفارابي : فمن هذه الروح التي طغت عليها الفلسفة ، ما تجده للفارابي المتوفى سنة 339 ه تسع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة في كتابه فصوص الحكم ، من تفسيره لبعض الآيات والحقائق التي جاء بها القرآن ، تفسيرا فلسفيا بحتا ، فمن ذلك أنه يفسر الأولية والآخرية الواردة في قوله تعالى في الآية ( 3 ) من سورة الحديد « هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ » تفسيرا أفلوطونيا مبنيا على القول بقدم العالم فيقول : إنه ( الأول من جهة أنه منه ويصدر عنه كل موجود لغيره ، وهو أول من جهة أنه بالوجود لغاية قربه منه ، أول من جهة أن كل زماني ينسب إليه يكون ، فقد وجد زمان لم يوجد معه ذلك الشيء ، ووجد إذ وجد معه لا فيه . هو أول ؛ لأنه إذا اعتبر كل شئ كان فيه أولا أثره ، وثانيا قبوله لا بالزمان . هو آخر ؛ لأن الأشياء إذا لوحظت ونسبت إليه أسبابها ومباديها وقف عنده المنسوب ، فهو آخر لأنه الغاية الحقيقية في كل طلب ، فالغاية مثل السعادة في قولك : لم شربت الماء ! فتقول : لتغيير المزاج ، فيقال : ولم أردت أن يتغير المزاج ؟ فتقول : للصحة ، فيقال : لم طلبت الصحة ؟ فتقول : للسعادة والخير ، ثم لا يورد عليه سؤال يجب أن يجاب عنه ؛ لأن السعادة والخير يطلب لذاته لا لغيره . . فهو المعشوق الأول ، فلذلك هو آخر كل غاية ، أول في الفكرة آخر في الحصول ، هو آخر من جهة أن كل زمان يتأخر عنه ، ولا يوجد زمان متأخر عن الحق . . . ) « 1 » اه . ويشرح الظاهر والباطن الوارد في قوله تعالى في الآية ( 3 ) من سورة الحديد أيضا « . . وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ » فيقول : ( لا وجود أكمل من وجوده ، فلا خفاء به من نقص الوجود ، فهو في ذاته ظاهر ، ولشدة ظهوره باطن ، وبه يظهر كل ظاهر كالشمس تظهر كل خفى وتستبطن لا عن خفاء ) « 2 » اه . كما يشرح هذه الجملة مرة أخرى فيقول : ( هو باطن لأنه شديد الظهور ،

--> ( 1 ) فصوص الحكم ص 174 - 175 ضمن المجموع من مؤلفات أبى نصر الفارابي ( 2 ) فصوص الحكم ص 170