محمد حسين الذهبي

375

التفسير والمفسرون

يقولون : إنهم يدركون بعض المعاني بعين اليقين ، وما من شأنه أن يدرك بعين اليقين لا يمكن أن يدرك بعلم اليقين ، إذا فلا بد لمن يريد أن يحكم على القوم حكما صحيحا أن يجتهد في الوصول إلى ما وصلوا إليه بالعيان ، دون أن يطلبه عن طريق البيان ، فإنه طور وراء طور العقل ، والشاعر يقول : علم التصوف علم ليس يعرفه * إلا أخو فطنة بالحق معروف وليس يعرفه من ليس يشهده * وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف « 1 » ويقول ابن خلدون : ( وليس البرهان والدليل بنافع في هذه الطريق ردا وقبولا ؛ إذ هي من قبيل الوجدانيات ) « 2 » . ويقول الآلوسي في مقدمة تفسيره ج 1 ص 8 : ( فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز الدائرة المحمدية ما هم عليه ، واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل ؛ لكثرة العوائق والعلائق إليه : وإذا لم تر الهلال فسلم * لأناس رأوه بالأبصار ويقول الآلوسي أيضا بعد أن نقل عن ابن عربى ما قاله في تفسير الفاتحة في فتوحاته : ( فإذا وقع الجدار ، وانهدم الصور ، وامتزجت الأنهار ، والتقى البحران ، وعدم البرزخ ، صار العذاب نعيما ، وجهنم جنة ، ولا عذاب ولا عقاب ، إلا نعيم وأمان ، بمشاهدة العيان . الخ ) : يقول الآلوسي بعد نقله لهذا الكلام الغريب : ( وهذا وأمثاله محمول على معنى صحيح يعرفه أهل الذوق ولا ينافي ما وردت به القواطع : ثم قال : وإياك أن تقول بظاهره مع ما أنت عليه ، وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل اللّه تعالى ، فسلمه لهم بالمعنى الذي أرادوه ، مما لا تعلمه أنت ولا أنا ، لا بالمعنى الذي ينقدح في عقلك ، المشوب بالأوهام فالأمر واللّه وراء ذلك . « 3 » ) اه ومثل هذه الأقوال أشبه ما تكون بالإكراه لنا على قبول وجدانيات القوم وشطحاتهم مهما أوغلت في البعد والغرابة ، وتوريط لنا بتسليم كل ما يقولون تحت تأثير ما لهم في نفوسنا من المكانة العلمية والدينية : ومهما يكن

--> ( 1 ) كشف الظنون ج 1 ص 222 ( 2 ) مقدمة ابن خلدون 525 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 1 ص 142 - 143