محمد حسين الذهبي
374
التفسير والمفسرون
( والفيض الإلهى والمبشرات ما سد بابها ، وهي من أجزاء النبوة ، والطريق واضحة ، والباب مفتوح ، والعمل مشروع واللّه يهرول لتلقى من أتى إليه يسعى وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، وهو معهم أينما كانوا ، فمن كان معك بهذه المثابة من القرب - مع دعواك العلم بذلك والإيمان به - لم تترك الأخذ عنه والحديث معه ، وتأخذ عن غيره ولا تأخذ عنه فتكون حديث عهد بربك ؟ . « 1 » ) اه رأينا في مقالة ابن عربى : ونحن لا ننكر على ابن عربى أن ثم أفهاما يلقيها اللّه في قلوب أصفيائه وأحبابه ، ويخصهم بها دون غيرهم ، على تفاوت بينهم في ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت في درجات السلوك ومراتب الوصول كما لا ننكر عليه أن تكون هذه الأفهام تفسيرا للقرآن وبيانا لمراد اللّه من كلامه ، ولكن بشرط : أن تكون هذه الأفهام يمكن أن تدخل تحت مدلول اللفظ العربي القرآني ، وأن يكون لها شاهد شرعي يؤيدها ، أما أن تكون هذه الأفهام خارجة عن مدلول اللفظ القرآني ، وليس لها من الشرع ما يؤيدها فذلك ما لا يمكن أن نقبله على أنه تفسير للآية وبيان لمراد اللّه تعالى ؛ لأن القرآني عربى قبل كل شئ كما قلنا ، واللّه سبحانه وتعالى يقول في شأنه « كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ « 2 » » وحاشا للّه أن يلغز في آياته ، أو يعمى على عباده طريق النظر في كتابه ، وهو يقول « وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ « 3 » » . هذا هو ما أدين اللّه عليه بالنسبة لكلام الصوفية ، وعذرى في ذلك أنى لم أسلك مسلك القوم ، ولم أذق ذوقهم ، ولم أعرف اصطلاحاتهم التي يصطلحون عليها ، ولعلى إذا سلكت هذا الطريق ، وانكشف لي من أستار الغيب ما انكشف لهم ، أو على الأقل فهمت لغة القوم ووقفت على مصطلحاتهم . لعلى إذا حصل لي شئ من هذا تبدل رأيي وتعير حكمي ، فسلمت لهم كل ما يقولون به ، مهما كان بعيدا وغريبا . وقد سأل رجل بعض العلماء أن يقرأ عليه تائية ابن الفارض فقال له : ( دع عنك هذا ، من جاع جوع القوم وسهر سهرهم رأى ما رأوا ) « 4 » .
--> ( 1 ) الفتوحات المكية ج 1 ص 279 - 280 ( 2 ) الآية ( 3 ) من سورة فصلت ( 3 ) الآية ( 17 ) من سورة القمر ، وفي مواضع أخرى من السورة نفسها ( 4 ) شذرات الذهب ج 5 ص 191