محمد حسين الذهبي
373
التفسير والمفسرون
أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات ، فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات ، فإذا كان في غد يوم القيامة يكون الأمر في الكل ، كما قال القائل : سوف ترى إذا انجلى الغبار * أفرس تحتك أم حمار كما يتميز المحق من أهل اللّه ، من المدعى في الأهلية غدا يوم القيامة . قال بعضهم : فإذا اشتبكت دموع في خدود * تبين من بكى ممن تباكى أين عالم الرسوم من قول علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه حين أخبر عن نفسه أنه لو تكلم في الفاتحة من القرآن لحمل منها سبعين وقرأ ؟ هل هذا إلا من الفهم الذي أعطاه اللّه في القرآن ؟ فاسم الفقيه أولى بهذه الطائفة من صاحب علم الرسم ، فإن اللّه يقول فيهم : « لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » « 1 » فأقامهم مقام الرسول في التفقه في الدين والإنذار ، وهو الذي يدعو إلى اللّه على بصيرة كما يدعو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بصيرة ، لا على غلبة ظن كما يحكم عالم الرسوم ، فشتان بين من هو فيما يفتى به ويقوله على بصيرة منه في دعائه إلى اللّه وهو على بينة من ربه ، وبين من يفتى في دين اللّه بغلبة ظنه ) . ( ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أنه يجهل من يقول : فهمنى ربى ، ويرى أنه أفضل منه ، وأنه صاحب العلم إذ يقول من هو من أهل اللّه : إن اللّه ألقى في سرى مراده بهذا الحكم في هذه الآية ، أو يقول : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في واقعتى فأعلمنى بصحة هذا الخبر المروى عنه وبحكمه عنده . قال أبو يزيد البسطامي رضى اللّه عنه في هذا المقام . . . يخاطب علماء الرسوم : أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أمثالنا : حدثني قلبي عن ربى ، وأنتم تقولون حدثني فلان . . وأين هو ؟ قالوا : مات . عن فلان . . وأين هو ؟ قالوا : مات . وكان الشيخ أبو مدين - رحمه اللّه - إذا قيل له : قال فلان . عن فلان ، عن فلان يقول : ما نريد نأكل قديدا ، هاتوا ائتوني بلحم طري - يرفع همم أصحابه - فأولئك أكلوه لحما طريا ، والواهب لم يمت ، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد ) .
--> ( 1 ) في الآية ( 122 ) من سورة التوبة .