محمد حسين الذهبي

367

التفسير والمفسرون

المستقيم ، ولأن الاعتبار القرآني قلما يجده إلا من كان من أهله عملا به على تقليد أو اجتهاد ، فلا يخرجون عند الاعتبار فيه عن حدوده كما لم يخرجوا في العمل به والتخلق بأخلاقه عن حدوده ، بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازى أحكامه ، ويلزم من ذلك أن يكون معتدا به لجريانه على مجاريه . والشاهد على ذلك ما نقل من فهم السلف الصالح فيه ، فإنه كله جار على ما تقضى به العربية ، وما تدل عليه الأدلة الشرعية . وإن كان الثاني ، فالتوقف عن اعتباره في فهم باطن القرآن لازم ، وأخذه على إطلاقه فيه ممتنع ، لأنه بخلاف الأول ، فلا يصح القول باعتباره في فهم القرآن ، فنقول : إن تلك الأنظار الباطنة في القرآن في الآيات المذكورة - يريد « وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ » وما ذكره معها مما تقدم لنا ذكره - إذا لم يظهر جريانها على مقتضى الشروط المتقدمة فهي راجعة إلى الاعتبار غير القرآني وهو الوجودي « 1 » ويصح تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضا . فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص ، فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطلبه المربى ، وهو أمر خاص ، منفرد بنفسه ، لا يختص بهذا الموضع ، فلذلك يوقف على محله ، فكون القلب جارا ذا قربى ، والجار الجنب هو النفس الطبيعي . . . إلى سائر ما ذكر ، يصح تنزيله اعتباريا مطلقا ، فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط صحيح وسهل جدا عند أربابه ، غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ وأيضا فإن من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه المعنى

--> ( 1 ) مثال الاعتبار : الخارجي ما يروونه عن بعضهم في معنى قوله تعالى في الآية ( 3 ) من سورة القدر لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ » قال ألف شهر هي مدة الدولة الأموية ، لأنها مكثت ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر وأن ذلك من اللّه تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم حين أطلعه على ملوك بنى أمية واحدا واحدا فسرى عنه بهذه السورة . هذا المعنى لم يؤخذ من القرآن ، بل أخذ من الخارج والواقع في ذاته ؛ بمصادفة مطابقة العدد ، واللفظ لا ينبو عنه . لكنه لا دليل من الشرع على كونه هو المعنى المقصود ) اه هامش الموافقات ج 3 ص 404 .