محمد حسين الذهبي
355
التفسير والمفسرون
وأما الروايات الدالة على أنهم فسروا القرآن تفسيرا إشاريا ، فما رواه البخاري عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أنه قال : ( كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من حيث علمتم : فدعاه ذات يوم فأدخله معهم ، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم . قال . ما تقولون في قوله تعالى « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت لا . قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعلمه له . قال . إذا جاء نصر اللّه والفتح ، وذلك علامة أجلك ، فسبح بحمد ربك واستغفره ، إنه كان توابا ، فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول « 1 » ) اه فبعض الصحابة لم يفهم من السورة أكثر من معناها الظاهر ، أما ابن عباس وعمر ، فقد فهما معنى آخر وراء الظاهر ، هو المعنى الباطن الذي تدل عليه السورة بطريق الإشارة : وأيضا ما ورد من أنه لما نزل قوله تعالى في الآية ( 3 ) من سورة المائدة « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » فرح الصحابة وبكى عمر رضى اللّه تعالى عنه وقال : ما بعد الكمال إلا النقص ، مستشعرا نعيه عليه الصلاة والسلام ، فقد أخرج ابن أبي شيبة ( أن عمر رضى اللّه تعالى عنه لما نزلت الآية بكى ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يبكيك ؟ قال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شئ قط إلا نقص ، فقال عليه الصلاة والسلام : صدقت « 2 » ) : فعمر رضى اللّه عنه أدرك المعنى الإشارى : وهو نعى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأقره النبي على فهمه هذا : وأما باقي الصحابة : فقد فرحوا بنزول الآية ؛ لأنهم لم يفهموا أكثر من المعنى الظاهر لها :
--> ( 1 ) البخاري باب التفسير ج 6 ص 179 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 60 .