محمد حسين الذهبي
356
التفسير والمفسرون
هذه الأدلة مجتمعة تعطينا أن القرآن الكريم له طهر وبطن . . ظهر يفهمه كل من يعرف اللسان العربي . . وبطن يفهمه أصحاب الموهبة وأرباب البصائر . غير أن المعاني الباطنية للقرآن لا تقف عند الحد الذي تصل إليه مداركنا القاصرة ، بل هي أمر فوق ما نظن وأعظم مما نتصور . ولقد فهم ابن مسعود أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا فقال : ( من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن ) وإلى هذا أشار اللّه تعالى بقوله « ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » » وقال « . . ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » » . التفاوت في إدراك المعاني الباطنة وإصابتها : غير أن هذه المعاني المتكاثرة التي يشتمل عليها باطن القرآن لم تكن في متناول المفسرين جميعا ، كما أنهم لم يكونوا متساوين في القدر الذي أدركوه منها ، بل تفاوتوا في ذلك بمقدار ما بينهم من تفاوت في الأخذ بالأسباب ، كما أنهم لم يكونوا جميعا مصيبين فيما وصلوا إليه منها وأدركوه ، بل أصابوا في بعض منها وأخطئوا في بعض آخر ، وما أخطئوا فيه : بعضه عن جهل ، وبعضه عن تعمد خبيث ونية سيئة ، فالإمامية مع قولهم بالظاهر على ما به ، قالوا بالباطن أيضا ، ولكنهم تعمدوا أن يفسروا الباطن على ما يتفق وعقيدتهم الفاسدة والباطنية . لم يعترفوا بظاهر القرآن واعترفوا بالباطن فقط ، ولكنهم أيضا تعمدوا أن يفسروا الباطن على ما يتفق ونواياهم السيئة ، وكلا الفريقين ضال مبتدع . أما الصوفية أهل الحقيقة وأصحاب الإشارة ، فقد اعترفوا بظاهر القرآن ولم يجحدوه ، كما اعترفوا بباطنه ، ولكنهم حين فسروا المعاني الباطنة خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فبينما تجد لهم أفهاما مقبولة سائغة ، تجد لهم بجوارها أفهاما لا يمكن أن يقبلها العقل أو يرضى بها الشرع ؛ ولهذا أرى أن أستعرض بعض ما للقوم من أفهام في التفسير ، ثم أحكم عليها حكما مجردا عن كل شئ إلا عن الحق والإنصاف ، ثم بعد هذا أذكر شروط التفسير الإشارى ، وهي الشروط التي إذا توافرت فيه جاز لنا قبوله والأخذ به ، وإلا أسقطناه ورفضناه مهما كان لقائله من المكانة في نفوسنا أو في نفوس القوم .
--> ( 1 ) في الآية ( 38 ) من سورة الأنعام . ( 2 ) في الآية ( 111 ) من سورة يوسف .