محمد حسين الذهبي
354
التفسير والمفسرون
فقيل . ظاهرها - أي الآية - لفظها ، وباطنها تأويلها : وقال أبو عبيدة : إن القصص التي قصها اللّه تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين ، وحديث حدث به عن قوم ، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم ، فيحل بهم مثل ما حل بهم . . . ولكن هذا خاص بالقصص ، والحديث يعم كل آية من آيات القرآن . وحكى ابن النقيب قولا ثالثا : وهو أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم ، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع اللّه عليها أهل الحقائق . هذا هو أشهر ما قيل في معنى الظهر والبطن . وأما قوله في الحديث الأول : ولكل حرف حد ، فمعناه على ما قيل . لكل حرف حد أي منتهى فيما أراد اللّه من معناه أو لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب . والأول أظهر . وقوله : ولكل حد مطلع ، ومعناه على ما قيل أيضا : لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل به إلى معرفته ويوقف على المراد به . وقيل : كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة . والأول أظهر أيضا . وأما الصحابة فقد نقل عنهم من الأخبار ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشارى وقالوا به ، أما الروايات الدالة على أنهم يعرفون ذلك فمنها : ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال . ( إن القرآن ذو شجون وفنون ، وظهور وبطون ، لا تنقضى عجائبه ، ولا تبلغ غايته فمن أو غل فيه برفق نجا ، ومن أخبر فيه بعنف هوى ، أخبار وأمثال ، وحلال وحرام ، وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وظهر وبطن ، فظهره التلاوة ، وبطنه التأويل ، فجالسوا به العلماء ، وجانبوا به السفهاء ) . وروى عن أبي الدرداء أنه قال : ( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها ) . عن ابن مسعود أنه قال : ( من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن ) . وهذا الذي قالوه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر .