محمد حسين الذهبي
349
التفسير والمفسرون
لهم أي جعلوهم كالنواب للّه والوزراء ، كأن اللّه استخلفهم ، ومن عادة الخليفة أن يكون في رتبة من استخلفه عند المستخلف عليه ؛ فلهذا نسبوا الألوهية لهم ابتداء من غير نظر فيمن جعل ذلك . وقول من قال : أجعل الآلهة إلها واحدا إنما كان من أجل اعتقادهم فيما عبدوه أنهم آلهة دون اللّه المشهود له عندهم بالعظمة على الجميع ، فأشبه هذا القول ما ثبت في الشرع الصحيح من اختلاف الصور في التجلي ، ومعلوم عند من يشاهد ذلك أن الصورة ما هي هذه الصورة ، وكل صورة لا بدّ أن يقول المشاهد لها : إنها اللّه . لكن لما كان هذا من عند اللّه ، وذلك الآخر من عندهم أنكر عليهم التحكم في ذلك ، كما ثبت في قوله تعالى : « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » » هذا حقيقة ؛ فوجه اللّه موجود في كل جهة يتولى أحد إليها ، ومع هذا لو تولى الإنسان في صلاته إلى غير الكعبة مع علمه بجهة الكعبة لم تقبل صلاته ، لأنه ما شرع له إلا استقبال هذا البيت الخاص بهذه العبادة الخاصة ، فإذا تولى في غير هذه العبادة التي لا تصح إلا بتعيين هذه الجهة الخاصة ، فإن اللّه يقبل ذلك التولي ، كما أنه لو اعتقد أن كل جهة يتولى إليها ما فيها وجه اللّه لكان كافرا وجاهلا ، ومع هذا فلا يجوز له أن يتعدى بالأعمال حيث شرعها اللّه ، ولهذا اختلفت الشرائع : فما كان محرما في شرع ما ، حلله اللّه في شرع آخر ، ونسخ ذلك الحكم الأول في ذلك المحكوم عليه بحكم آخر في عين ذلك المحكوم عليه ، قال اللّه تعالى : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً « 2 » » فما نسخ من شرع واتبعه من اتبعه بعد نسخه فذلك المسمى هوى النفس الذي قال اللّه فيه لخليفته داود « إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ « 3 » » يعنى الحق الذي أنزلته إليك « وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى « 3 » » وهو ما خالف شرعك « فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 3 » » وهو ما شرعه اللّه لك على الخصوص . فإذا علمت هذا وتقرر لديك ، علمت أن اللّه إله واحد في كل شرع عينا ، وكثير صورة وكونا ،
--> ( 1 ) في الآية ( 115 ) من سورة البقرة ( 2 ) في الآية ( 48 ) من سورة المائدة ( 3 ) في الآية ( 26 ) من سورة ص