محمد حسين الذهبي
348
التفسير والمفسرون
إلا لتقربهم إلى اللّه زلفى ، فأنزلهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم ، وما ثم صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم . ولهذا يقضى الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يهتضم ، وإن أخطئوا في النسبة فما أخطئوا في المقام ، ولهذا قال : « إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها « 1 » ) أي أنتم قلتم عنها : إنها آلهة . . وإلا فسموهم ، فلو سموهم لقالوا : هذا حجر ، أو شجر ، أو ما كان ، فتتميز عندهم بالاسمية ؛ إذ ما كل حجر عبد ولا اتخذ إلها ، ولا كل شجر ، ولا كل جسم منير ، ولا كل حيوان . فلله الحجة البالغة عليهم بقوله : قل سموهم . . « 2 » ) . وأصرح من هذا أنه لما عرض لقوله تعالى في الآية ( 163 ) من سورة البقرة « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » قال : ( . . . إن اللّه تعالى خاطب في هذه الآية المسلمين ، والذين عبدوا غير اللّه قربة إلى اللّه ، فما عبدوا إلا اللّه ، فلما قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى فأكدوا ذكر العلة ، فقال اللّه لنا : إن إلهكم والإله الذي يطلب المشرك القربة إليه بعبادة هذا الذي أشرك به واحد ، كأنكم ما اختلفتم في أحديته . . فقال : وإلهكم ، فجمعنا وإياهم إله واحد ، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم . ومن قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد ، كما يقال : من صحبك لأمر أو أحبك لأمر ولى بانقضائه ؛ ولهذا ذكر اللّه أنهم يتبرءون منهم يوم القيامة . وما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم ، لا أنهم جهلوا قدر اللّه في ذلك ، ألا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال : وإلهكم إله واحد ؟ . ونبههم فقال : « قل سموهم » فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء اللّه ، ثم وصفهم بأنهم في شركهم قد ضلوا ضلالا بعيدا ، أو مبينا ؛ لأنهم أوقعوا أنفسهم في الحيرة ؛ لكونهم عبدوا ما نحتوا بأيديهم ، وعلموا أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنهم من اللّه شيئا ، فهي شهادة من اللّه بقصور نظرهم وعقولهم . ثم أخبرنا اللّه أنه قضى ألا نعبد إلا إياه بما نسبوه من الألوهية
--> ( 1 ) في الآية ( 23 ) من سورة النجم : ( 2 ) الفتوحات ج 3 ص 117