محمد حسين الذهبي

346

التفسير والمفسرون

التفسير الصوفي النظري في الميزان من هذه الأمثلة السابقة كلها نستطيع أن نقرر في صراحة واطمئنان : أن التفسير الصوفي النظري تفسير يخرج بالقرآن - في الغالب - عن هدفه الذي يرمى إليه ! ! . . يقصد القرآن هدفا معينا بنصوصه وآياته ، ويقصد الصوفي هدفا معينا بأبحاثه ونظرياته . وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد ، فيأبى الصوفي إلا أن يحول القرآن عن هدفه ومقصده ، إلى ما يقصده هو ويرمى إليه ، وغرضه بهذا كله : أن يروج لتصوفه على حساب القرآن ، وأن يقيم نظرياته وأبحاثه عن أساس من كتاب اللّه ، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته التصوفية ولم يعمل للقرآن شيئا ، اللهم إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين وإلحاد في آيات اللّه ! ! . . رأينا ابن عربى يميل ببعض الآيات إلى مذهبه القائل بوحدة الوجود ، ورأينا غيره كأبى يزيد البسطامي ، والحلاج ، وغيرهما ، يسلك هذا المسلك نفسه أو قريبا منه . ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد كل العالم مظاهر ومجال له ، فاللّه سبحانه هو الموجود الحق ، وكل ما عداه ظواهر وأوهام ، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز . وهذه النظرية سرت إلى بعض المتصوفة عن طريق الفلاسفة ، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم ، وصوروه - أعنى الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة ، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ . . . ! ! « 1 » . هذا المذهب الذي خول لمثل الحلاج أن يقول : أنا اللّه ، ولمثل ابن عربى

--> ( 1 ) وحدة الوجود ليست هي نظرية الحلول ، غاية الأمر أن أصحاب القول بوحدة الوجود ينقسمون إلى فريقين : فريق يقول بالحلول ، وفريق لا يقول به ؛ أنظر الفلسفة الإسلامية للدكتور محمد البهى ص 47