محمد حسين الذهبي

294

التفسير والمفسرون

يونس عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 49 ) « قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . . . » يقول ما نصه : « . . . وفي هذا أعظم واعظ ، وأبلغ زاجر لمن صار دينه وهجيراه المناداة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا اللّه سبحانه ، وكذلك من صار يطلب من الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا اللّه سبحانه ، فإن هذا مقام رب العالمين ، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ، ورزقهم وأحياهم ويميتهم ، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء ، أو ملك من الملائكة ، أو صالح من الصالحين ، ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب ، القادر على كل شئ ، الخالق الرازق ، المعطى المانع ، وحسبك بما في هذه الآية موعظة ، فإن هذا سيد ولد آدم ، وخاتم الرسل يأمره اللّه بأن يقول لعباده : لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا . فكيف يملكه لغيره ؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته ، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلا عن أن يملكه لغيره ؟ فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذي صاروا تحت أطباق الثرى ، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا اللّه عز وجل . كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ، ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى ( لا إله إلا اللّه ) ومدلول ( قل هو اللّه أحد ) . وأعجب من هذا ، اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى ، بل إلى ما هو أشد منها ، فإن أولئك يعترفون بأن اللّه سبحانه هو الخالق الرازق ، المحيى المميت ، الضار النافع ، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند اللّه ، ومقربين لهم إليه . وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع ، وينادونهم تارة على الاستقلال ، وتارة مع ذي الجلال ، وكفاك من شر سماعه ، واللّه ناصر دينه ، ومطهر شريعته من أو ضار الشرك ، وأدناس الكفر . ولقد توسل الشيطان - أخزاه اللّه - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه ، وينثلج به صدره ، من كفر كثير من هذه الأمة